لم نكن بحاجة إلى وثائق ويكيليكس لكي نعرف أن بعض مسؤولي الخليج يحرضون ضد حماس، فنحن نعرف ذلك حق المعرفة، لكن الوثائق إياها، وهي تبدو صادقة إلى حد كبير (أعني الوثائق وليس التحليلات والأخبار التي وردت فيها)، لم تكن هامشية في سياق إثبات ذلك (الأسماء باتت معروفة)، الأمر الذي يثير الكثير من الأسئلة حيال دوافعهم الحقيقية.
قبل ويكليكيس كنا نسمع عن بعض مواقف القوم ضد حماس، والتي يطلقونها هنا وهناك، في هذا المحفل أو ذاك، وكم من مرة قام أحدهم بتحريض زعماء عرب عليها، حتى إنه لم يتورع عن إبداء السعادة أمام مسؤول عربي كبير باغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين، وصولاً إلى القول "ها قد تخلصنا من (....)"، لكن الوثائق لم تبخل بالكثير من التصريحات والوصايا التي أطلقها الرجل ضد حماس، ومعه آخرون على نحو يشير إلى أن حالة حقد استثنائي تتلبسهم حيال الحركة.
والحق أن حماس لم تتدخل يوماً في الشؤون العربية الداخلية، وهي تمكنت من إنشاء علاقات مع أنظمة لها اشتباكاتها مع جماعات الإسلام السياسي، كما يحلو للبعض أن يسميها، وهي معادلة لا تنحصر في سوريا، وإنما تشمل دولاً أخرى مثل السعودية وقبل ذلك عراق صدام حسين، فضلاً عن الجزائر وليبيا، وإن بدا الأمر مختلفاً في حالة الأنظمة التي تجمع بين الانحياز للخيارات الأمريكية والرفض المتشدد للجماعات الإسلامية المسيسة كما هو حال تونس ومصر على سبيل المثال لا الحصر.
قاعدة عدم التدخل تبدو أكثر وضوحاً في حالة الدول الخليجية، ما يعني أن القوم لا يكرهون حماس بناءً على تدخلها في شؤون بلادهم، وهي لا تبدو كذلك حتى لو صحّ القول إن العلاقة مع بعضها ليست على ما يرام.
إن السبب المرجح لحقد أولئك على حماس هو المتعلق بموقفهم الخاص من حركات الإسلام السياسي، بخاصة تلك التي تنتمي إلى تجربة الإخوان المسلمين، وثمة معلومات كثيرة تؤكد ذلك.
هنا يمكن القول إنهم يحقدون على حماس لأنها منحت حركات الإسلام السياسي (الإخوانية منها على وجه الخصوص) بعض الزخم بدورها اللافت في القضية الفلسطينية، بدليل دعمها في أوساطهم، بل والفخر بتجربتها، الأمر الذي نأمل أن يستمر باستمرار تمسك الحركة بثوابت القضية في طبعتها الأصلية، وليس ثوابت منظمة التحرير المعروفة.
نتمنى بالطبع أن يراجع أولئك القوم أنفسهم، وأن يكفوا عن التحريض ضد حركة يستهدفها الصهاينة، وإذا كان الإيرانيون يدعمون حماس من أجل كسب قلوب المسلمين، فالأصل أن يبادروا هم إلى دعمها من أجل ذات الهدف، وإذا كانت علاقتهم مع واشنطن لا تسمح لهم بذلك (نقول ذلك افتراضاً بالطبع)، فلا أقل من أن يتوقفوا عن التحريض عليها (على الحركة)، ولا حاجة إلى تذكيرهم بأن ويكيليكس ليس آخر المطاف، مع أننا نشك في سعيهم لإخفاء مواقفهم من الحركة في ظل هذا الكم من التحريض الذي ينقل عنهم.


