"نحن لا نريد للمفاوضات (الإسرائيلية _الفلسطينية) أن تقف , لأنه بتوقف المفاوضات ستبني الدولة العبرية المستوطنات على كل الأراضي الفلسطينية ...وسيأتي الوقت الذي لو أردنا فيه أن نقيم الدولة الفلسطينية فلن نجد الأرض".
هـذا التصريح الذي أدلى به الرئيس المصري "حسني مبارك" في المنامة العاصمة البحرانية في ختام جولته الخليجية الخميس الماضي، تصريح في غاية الاستغراب ويدلل على محاولات العرب تضليل الرأي العام العربي والتحضير لمحاولة جديدة للضغط على سلطة رام الله من أجل تجاوز شروطها لاستئناف المفاوضات المباشرة والقاضية بتجميد الاستيطان أولا ومن ثم الدخول في المفاوضات المباشرة.
تبرير العودة إلى المفاوضات خشية ضياع الأراضي الفلسطينية نتيجة توقف المفاوضات واستمرار الاستيطان، والغريب أن العرب ورؤساءهم لا يعلمون أو يتجاهلون أن الاستيطان ونهب الأراضي لم يتوقف في ظل المفاوضات في ظل حكومة أيهود أولمرت، وأن العودة إلى المفاوضات التي يدعو إليها الرئيس المصري لن توقف الاستيطان وستحاول حكومة الاحتلال المماطلة والتسويف وإطالة فترة المفاوضات حتى تستمر عملية الاستيطان، وإنهاء مشروع السيطرة على الأرض الفلسطينية والمفاوضات تعطي الغطاء للاستيطان، طالما أن الجانب الفلسطيني يتفاوض في ظل استمرار التفاوض.
صحيح أن موقف عباس المعلن عبر وسائل الإعلام لازال متمسكاً بشرط وقف الاستيطان، هذا الموقف لا أعتقد أنه سيستمر طويلا، لأن هناك رغبة بالعودة إلى المفاوضات مع الاحتلال، وتصريح الرئيس مبارك لم يكن من بناة أفكاره وحده، لأنه موقف تم الاتفاق عليه بين مبارك وعباس في اللقاء الأخير الذي عقد بينهما في القاهرة، وأن تصريح مبارك هو بداية جولة جديدة من الضغوط على محمود عباس للعودة إلى التفاوض وسيتبعها ضغوطات عربية وأوروبية ودولية للقبول بالمقترح الأمريكي بتجميد الاستيطان لمدة ثلاثة شهور وللمرة الأخيرة، واستثناء القدس من القرار كونها وفق وجهة نظر (إسرائيل) وأمريكا العاصمة الأبدية لـ(إسرائيل).
تصريح مبارك ليس الهدف منه هو حماية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية ومحاولة حمايتها من الاستيطان الإسرائيلي المستشري، ولكن الهدف من التصريحات هو بداية لموجة جديدة من التنازلات خدمة للموقف الأمريكي المنحاز إلى (إسرائيل)، وتنفيذا للقرارات الأمريكية ، وأمام ذلك لن تصمد السلطة طويلا وستستجيب للعودة إلى المفاوضات بحجة أن الإخوة العرب يريدون ذلك، وأن الموقف الفلسطيني لا يمكن له أن يخالف الموقف العربي حتى لو كان خدمة لـ(إسرائيل) وعلى حساب الحقوق الفلسطينية.
إن العودة للمفاوضات وفق وجهة النظر الإسرائيلية والمتبناة من قبل أمريكا هو القبول الفلسطيني بتصفية القضية الفلسطينية برعاية عربية من دول ما يسمى الاعتدال العربي ( الرباعية العربية).
المطلوب من الرئيس المصري الكف عن هذه التصريحات التي لن تحافظ على أرض أو تحفظ حقوق بقدر ما تشكل غطاء للتنازل والتفريط، كما أن هذه التصريحات تشجع أطرافا عربية إلى جانب الطرف المصري من أجل ممارسة مزيد من الضغط على الطرف الفلسطيني المؤهل للتنازل، والقبول بالمطروح أمريكياً وإسرائيلياً.
وحتى يكون الرئيس المصري وبعض الزعماء العرب وقادة الرأي المتبنين للموقف الأمريكي والإسرائيلي نضع بين يدي الجميع بعض الأرقام وفقاً لتقرير منظمة "بيتسليم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان حول الاستيطان، والتي أكدت أن عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية ارتفع من 235 ألف مستوطن نهاية العام الماضي 2009 إلى 301200 مستوطن في الوقت الحالي.
كما أن ارتفاع عدد المستوطنين في الضفة الغربية وصل إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بنهاية عام 1993 الذي شهد تحرك عملية السلام في أوسلو، وارتفع عدد المستوطنات في الضفة الغربية إلى 121 مستوطنة، فضلاً عن نحو 100 بؤرة استيطانية غير مرخص لها من قبل الحكومة الإسرائيلية.


