قرأت بعناية ما جاء في مقال الأستاذ مصطفى إبراهيم ( الرقابة على الإعلام في غزة )، وأنا هنا لست منتقدا ما جاء في المقال، والأستاذ مصطفى صديق أحترمه وأحترم قلمه حتى وإن اختلفت معه في بعض الجزئيات أو اتفقت في جزئيات أخرى، ولكوني صحافي يلفت انتباهي ما يكتب في الإعلام والحريات الإعلامية وأشارك الجميع أن نجد فسحة لحرية الإعلام وحرية الكتابة والتعبير أكبر مما هو قائم، هذا ما دفعني للكتابة ، وأعتقد أننا عندما ننتقد نحن ككتاب لا يعني ذلك أننا على عداء مع الجهة التي نوجه لها النقد، بل على العكس، لأن منطلق النقد لدينا نابع من الحب والحرص على مشاهدة الأفضل.
والواقع أن هناك اختلافاً وبدرجات متفاوتة في الدول المختلفة بين المأمول وبين الواقع في موضوع الحريات الإعلامية، وأنا أشك أن يكون هناك حريات إعلامية مطلقة ودون رقابة، حتى عندما نضع القانون فهو نوع من الرقابة، لأن القانون يقول افعل ولا تفعل، والنفس البشرية تريد أن تنطلق دون أن يحد من انطلاقها شيء حتى لو كان قانوناً ينظم ويسعى لحفظ حقوق الآخرين.
من يدعي المثالية إنسان حالم وسيجد صعوبة في التأقلم مع الواقع, ونجده يعيش في حالة من الكدر والنكد والتأفف ويرى الأمور سوداوية وتصبح الحياة لا تطاق، لذلك فهم الواقع المعاش والعمل على تغيير ولو جزء بسيط منه يشعر الإنسان أنه أنجز عملا ما يستدعي مواصلة العمل من أجل إنجاز أكبر، أو يواصل العمل من أجل إحداث هذا التغيير البسيط، لأن المسألة لا تأتي من محاولة أو محاولتين أو عشر أو عشرين، بل الضرورة تقتضي مواصلة العمل.
والحريات كالحقوق، لا توهب على طبق من فضة، ولكنها تنتزع انتزاعاً، والنقد مهما بلغ المنتقد من الفهم والديمقراطية إلا أنه يمتعض من النقد علماً أنه في قرارة نفسه يؤكد على صدقية المنتقد، ولكنها النفس البشرية التي لا تقبل النقد بسهولة وتتمنى من الجميع أن يثني عليها ويمدحها، علماً أن النقد ظاهرة صحية يجب أن يحرص عليها كل من يعمل، من منطلق أن من يعمل يخطئ، ومن يخطئ بحاجة إلى تقويم وأول التقويم هو النقد الذي يبين العيب ويوضح مسار التصحيح.
ونحن ككتاب وصحافيين وقادة رأي نهدف إلى التغيير نحو الأفضل؛ ولكن يجب أن نضع في الاعتبار أننا لن نجد الطريق معبدة وبلا معيقات أو بلا ملامة أو انتقاد على الانتقاد، فمن يظن غير ذلك عليه إعادة التفكير فيما يعتقد؛ ولكن لو جوبهنا بكل المعيقات وكل السلبيات وكل التهديدات إن وجدت يجب أن لا تثنينا عن مواصلة الكتابة، أو أن تؤثر في حرف أقلامنا أو تشكل ما يكبل أيدينا أو يكمم أفواهنا، ومن ينتظر أن يجد شكراً متواصلا على ما يكتب يكون من فئة الحالمين.
الصحافي والكاتب عليه أن يضع في الاعتبار أن الحكومات والنظم وإن كانت بدرجات متفاوتة في القبول والرفض تخشى النقد، وتضع ما يكبل النقاد والكتاب وتتابع حركاتهم وسكناتهم، وعلى الكاتب أن يكون حذرا من الخلط بين المفاهيم، لأن المتناقضات في كثير من الأحيان لا يكون فيما بينها إلا فوارق لا يدركها إلا العارفون..
ولكن وفي نفس الوقت الصدر يضيق من النقد الصريح أو المبالغ فيه في بعض الأحيان، كما علينا أن نحذر من النقد من أجل النقد، بل أن نوظف خاصية النقد من أجل التعديل والتغيير وتصحيح المسار، فالنقد ليس حبا في النقد، أو حتى يقال إن فلاناً جريء ولا يخشى أحد، فهذا ليس هدف الناقد أو الكاتب، ولكن النقد الذي يكون في مكانه والذي يشكل أداة للبناء لا للهدم وإن امتعض البعض منه؛ إلا أنه يجد في نفسه حرجا من مراجعة الناقد، لأن نقد الناقد الإيجابي فيه مصلحة، هذه المصلحة ليست شخصية أو دعائية بقدر ما هي مصلحة عامة، هكذا يجب أن يفهم الناقد والمنتقد.
علينا أن نواصل الكتابة وأن لا نستسلم ، وأن لا ننتظر أجراً من أحد أو ثناء، بل الأجر والثناء سنلمسه في عيون الناس ونفرح به عندما نشعر أننا نقدنا, وكان النقد مثمرا وبناء وأحدث تغييراً نحو الأصلح، ويجب أن لا نخشى شيئاً، وإلا علينا ترك القلم والبحث عن أمر آخر غير الكتابة، وذلك مصداقا لقوله تعالى (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وبعد التوكل على الله علينا بالصدق والدقة والموضوعية ، وبعدها لا نخشى في الله لومة لائم.


