الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 04:20 ص

مقالات وآراء

فتحي قرعاوي

نائب في المجلس التشريعي الفلسطيني
عدد مقالات الكاتب [32 ]

يا أبا ذر .. طفّ الصاع ..

حجم الخط

لقد قالها النبي الكريم – عليه الصلاة والسلام – لصحابي جليل يحب النبي ويحبه ، وهو الذي قال عنه الرسول الأكرم : " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " . فأبو ذر انتقص من حق سيدنا بلال عندما عيره بسواد لون أمه ، فما كان للنبي أن يفوت هذه الهفوة لأبي ذر ، فرد عليه بغضب " لقد طف الصاع " أي أن الأمور زادت عن حدها ولم تعد تحتمل ، ذلك لأنه انتقص حق إنسان مسلم ، فكان لا بد أن توضع الأمور في نصابها الشرعي والقانوني ، لأن بلال وأم بلال وكل مسلم على وجه الأرض لهم نفس الحقوق المتساوية بالمعاملة وأمام القضاء وفي كل المحافل مهما تعددت ألوانهم وتنوعت لغاتهم ما دامت كلمة التوحيد تجمعهم ، فسارع أبو ذر لإصلاح الخطأ واسترضاء بلال بالطريقة التي يعرفها كل من درس السيرة النبوية الكريمة ، حتى رضي بلالاً ورضي معه رسولنا الكريم .

 

إن الإنسان الفلسطيني اليوم الذي ولد وهو يعاني وفتح عينيه على بحار زاخرة من المعاناة .. لم يجد من ينتصر له ويطيب خاطره في يوم من الأيام من هول ما خطط له المخططون وسكت عن مأساته الساكتون ، فهو اليوم أشد حزناً وألماً وتغيظاً وهو يساوم على كل شيء ؛ ليس على أرضه ومهوى فؤاده وأقصاه فحسب ، بل على ذاكرته ومخزونه من الحب لوطنه ودينه وإيمانه .

 

لقد حاولوا سلخ حيفا ويافا وعكا من ذاكرته على أنها مدن تقع داخل (إسرائيل) .. وهذا جزء من المرارة والألم والمعاناة التي جبلت بكل ذرات الغبار الذي غطى قدميه ، وبكل زفرة خرجت من صدره .. كل ذلك من الاحتلال ، والآن جاء مع الاحتلال من يحاول سلب كرامة هذا الإنسان الفلسطيني ، وكأن هذه الكرامة يراد لها أن تسلب وتنتزع وبشتى الوسائل لتكون بيد فلان أو فلان من أولي الأمر لترويض الإنسان الفلسطيني والقبول بأي شيء وبأي ثمن تحت شعار لقد تعبنا (وبدنا نخلص) .

 

إن المتابع للشأن الفلسطيني الداخلي خاصة في الضفة الجريحة يلمس بوضوح هذه المحاولات ومن أناس طارئين على الوطن والوطنية وعلى القضية ، ورغم ذلك كله فالإنسان الفلسطيني لم يعبأ بما أصابه من اللأواء لأنه تعود عليها ..

 

ولأنه يعلم أن عاقبتها ستكون في صالحه يوماً ، هكذا أخبره نبيه الحبيب ، فأصبحت المعاناة جزءاً من حياته يمارسها في الصباح والمساء وغمس بها لقمة طعامه ، لقد تعوّد المطاردة والاعتقال والخنق والملاحقة لأن ( خده تعود على اللطم ) كما يقول المثل الفلسطيني ، إلاّ انه لم يصل إليه العجز والكسل ، يعرف كل شيء وما يدور خلف الكواليس .. لقد كشف اللعبة مبكراً فهو على يقين ان نهاية المكر قريبة .

 

تزور بيت الفلسطيني في المدينة والقرية والمخيم ، فتسمع وترى النفسيات المستعلية على الألم رغم الجراح الغائرة في النفوس والقلوب ، فتعلو الابتسامة الممزوجة بالدمعة التي تتردد في مآقي الأعين ، ثم يقول لك وبنبرة حزينة الحمد لله على كل شيء ؛ يكبت ذلك كله لأنه يعلم أن هناك إرادة حرة عظيمة من ورائها إله عظيم قادر ..

 

فيحصل الاطمئنان والتسليم ، يحدثك عن أحمد المحكوم خمسة عشر عاماً في سجن ( ريمون ) ، وعن سعيد المحكوم أربعة أعوام في ( النقب ) ، وعن فيصل الموقوف منذ ثلاثة أشهر في مخابرات رام الله، وعن سائد المعتقل منذ سنة في سجن أريحا ، ثم يقول لك الحمد لله ، ومع ذلك فهو مشحون بشحنات الغضب تكاد ترى شرارها يتطاير من نظراته وطريقة كلامه وعلى محياه ، ولكن بكل الثقة بخالقه يقول لك اسمع : ( مش طويلة .. قربت ) !!

 

إن الاحتلال الذي درس نفسية الإنسان الفلسطيني لم يجرؤ على استفزازه في عقيدته وفي دينه ومشاعره إلا بعد أن تجرأ الآخرون .. لم يجرؤ على اقتحام المساجد إلا بعد أن داسها الآخرون ببساطيرهم ، وها هو اليوم يحرقها ويدنسها بل ويقصفها بالطائرات .. لم يجرؤ على إهانة الحرائر حتى أهانهن الآخرون .

 

لقد تعوذ نبينا من غلبة الدّين وقهر الرجال ، ثم دعى ربه أن لا يجعل مصيبة المؤمن في دينه ..

 

إنك ترى وتسمع وتشاهد أن المعركة اليوم تدور حول هذا الحصن .. حصن الدين والعقيدة والالتزام عن طريق تيئيس الناس من دينهم وتخويفهم حتى في الصلاة في المساجد .

 

إن طعم الصلاة في المساجد اليوم يختلف عما كان بالأمس .. إن خطبة الجمعة صارت عبئاً على المستمع كما هي عبء على الملقي الذي يلد كل حرف فيها ولادة لئلا يقع في معنى أو عبارة تؤدي إلى استدعائه ، ثم إنه يتكلف كل آية تكلفاً واضحاً ويدعي نصرة الدين وتطبيق السنن ومحاربة البدع وبركات ذلك واضحة على دور القرآن التي أغلقت ، ومراكز التحفيظ التي سكرت والجمعيات الخيرية التي شمعت بالشمع الأحمر ، والأئمة الصادقين الذين نقلوا إلى مساجد بعيدة لا يرتادها إلا القليل من الناس .

 

إن محاولات تخريب المناهج التعليمية وتزهيد الناس في العلم وإغداق الوظائف والأموال على غير أصحاب الكفاءة وحرمان الأكفاء من ذلك أنتج أجيالاً لا علاقة لهم بالانتماء والقيم أو محبة الأوطان .. أجيال من طلاب المرحلة الأساسية ما بين سن 9 – 14 سنة يتسربون من صفوفهم يحشرون أنفسهم في بنطلونات زينت جنباتها بالأجهزة الخليوية ، وشعورهم كأنها المسامير لا يتابعهم أحد ولا يسأل عن أحوالهم في حين وقع عدد غير قليل منهم في الانحراف وممارسة العادات السيئة ، حتى وقع بعضهم لقمة سائغة في حبائل السقوط الأمني والأخلاقي أمام سمع وبصر كل الأجهزة التي ترصد وتتابع هذا الشأن الخطير الذي هدد كل أركان المجتمع .

 

إن حال الطلاب الجامعيين اليوم لا يختلف شيئاً عن غيرهم من طلاب المراحل الأخرى حتى قال أحد المحاضرين في إحدى الجامعات ( لقد كان هذا العام من أسوأ الأعوام فيما يتعلق بالتدني التعليمي والتدهور الأخلاقي عند بعض الطلاب حتى صرنا نشعر كأكاديميين بالغربة أمام طلابنا وتلاميذنا ) .

 

إن الفتنة التي هي كقطع الليل المظلم نراها بين أظهرنا ، والتي يصبح فيها المسلم مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً .. لماذا ؟ .. لأنه يبيع دينه بعرض من الدنيا ..!!

 

فكم من الناس من باع دينه بكرت جوال ، وكم من الناس من باع دينه بتقرير عن تحرك فلان أو علان مقابل مئة شيكل ، وكم من الناس من سقط وباع دينه ورهن نفسه مقابل مجرد وعد بوظيفة أو إكمال دراسة بل وكم من الناس من كان سبباً في قتل عمه وخاله وصديقه مقابل دراهم معدودة ، وهذا ما يمارسه الاحتلال وأعوانه .

 

إن قهر الإنسان الفلسطيني اليوم وفتنته حتى في عبادته التي هي بين المرء وخالقه إنما هي محاولات لردعه لمنع التواصل بين الأجيال وبين المساجد التي هي محاضن التربية ، فالمساجد اليوم ( ملغومة ) حسب التعبير الدارج اليوم ، أي مراقبة ليس لمجرد الصلاة فحسب ، بل كم من الأوقات صلى جماعه ، وهل صلاة الفجر من بينها .

 

لقد حورب الفلسطيني حتى في فريضة الحج ، والتي بلغت تكاليفها أضعافاً مضاعفة عن الأعوام السابقة رغم زيادة الأعداد التي تكون في كل عام والمكرمات الملكية السعودية ، فالفلسطيني الذي جمع تكاليف فريضة الحج برموش عينيه وعرقه وعرق أبنائه يقطع القرش عن نفسه ليؤدي الفريضة ويبقى ينتظر عاماً بعد عام ليفاجأ حسب قانون القرعة انه لم يحالفه الحظ في هذا العام والى حظ أوفر ، بينما حالف الحظ ذلك المدير العام أو اللواء أو النقيب أو ذلك ( الواصل ) .

 

كم كانت الحاجّة فاطمة من القدس صادقة في لهجتها ودموعها تذرف من مآقيها وهي تقول : منذ خمس سنوات وأنا أجمع تكاليف الحجة من بيع البيضة وحبة البندورة والخيار في باب العامود احمل كل ذلك على رأسي واقطع القرش عن نفسي ونفس أولادي الأيتام ، ثم بعد أن أبلغت بأن اسمي على قائمة أصحاب الحظ السعيد لهذا العام أتفاجأ ( أن حجتي أخذها الآخرون ودورنا في المرات القادمة ) ثم قالت بحزن وغضب ( يعني القدس ما فيها رجال ، هل صارت ضلعاً قاصراً ؟.. يا ويلكم من الله )!!

 

لقد تم تمييع موسم الحج لها العام وبشكل غير مسبوق ، ففريضة الحج التي هي من أعظم الطاعات ثم إن من أكبر الجهاد عند الله عز وجل الحج المبرور .

 

لقد قسمت ( المكرمات ) للحج على الوزارات والأجهزة الأمنية والأشخاص المتنفذين والمكاتب الحركية ، وتحول موسم الحج عند البعض إلى موسم تسوق ( وشمة هوى ) أو موسم كسب مادي ، فهذا إداري وذاك مشرف طبي وثالث متابع أمني ورابع مرشد اجتماعي ونفسي وخامس مرافق خاص وسادس وسابع وثامن ، وفي وسط هذه ( الفوضى ) تضيع حقوق الأسرى وحقوق الشهداء والبسطاء من الناس الذين ليس لديهم ( واسطة ) حيث إن الفيز قد وزعت على المحاسيب لاسترضاء الخواطر وجلب المؤيدين.

 

لقد هدد أحد أصحاب الشأن أنه إذا لم يحج هذا العام فسوف يقلبها فوق رؤوسهم ( دندره ) وعلى رأسهم الوزير ، وفعلاً وبعد أيام كانت قوافل المودعين تؤم بيت هذا الحاج لوداعه .. فأين القرعة وأين دور الحجة فاطمة ؟!

 

إن هذه ليست لوحة سوداوية تشاؤمية بقدر ما هي وصف لواقع مؤسف في أرض الإسراء يتحمل مسؤوليتها الوزراء والمدراء ، فأين العقلاء وأين أهل الإحساس والمتابعة ، ولكننا نقول بكل الصدق واليقين على لسان ذلك الفلسطيني البسيط مرة ثانية ( قربت ومش طويلة ) لأن انتشار الفساد مؤذن بالتغيير ، والتغيير سنة ربانية ، وما يجري اليوم إنما هي إحدى الملامح ، إنها سنة الله ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( ولن تجد لسنة الله تحويلاً ) .