الخميس 01 يناير 2026 الساعة 08:53 م

مقالات وآراء

هيبة الشرطة

حجم الخط

نعم.. أنا مع ذلك, فلا بد من أن تكون للشرطة هيبة بمعناها الحقيقي, لا المتعارف عليه بين الناس خطأً على أنها الخوف, والذي يصل إلى درجة الارتعاب, فالشرطة – كما يحلو أن تعرف على نفسها - في خدمة الشعب, فما من ضائقة يتعرض لها المواطن إلا ويجب على الشرطي أن يفكها, وما من خطر إلا وعلى الشرطي أن يتصدى له حماية للمواطن..

 

وما من لص إلا ويلاحقه الشرطي حتى يخلص الناس من شروره, وما من تاجر مخدرات إلا ويتعقبه شرطي ليصون أولاد الأمة؛ ذكوراً وإناثاً من الانهيار والانحراف والشذوذ, وما من أزمة تطرأ في طريق إلا والشرطي هناك ليضع لها حلاً, وفي كل ذلك هو منضبط بالقانون الذي ما وضع إلا لتحقيق المصلحة العليا للشعب جميعاً, دون محاباة أو فساد, وإذا ما تجاوز الشرطي ما حدده له القانون من سلطات تحوّل إلى لص أو قاطع طريق؛ شأنه في ذلك شأن أي موظف سواءً كان كبيراً قد علت رتبته وارتفعت قوائم كرسيه, أو وضيعاً, وتكون جريمته أكبر وجرمه أعظم إذا صدر عمن عظمت الأمانة التي عهد بها إليه, بل واعتبره الفاروق عمر خائناً أو طاغية, فكيف يمكن أن تتحقق له هيبة وهو على هذه الحال, التي يمكنه بها أن يذعن له الناس ويرضخوا, ويوسعوا له في الطرقات, وتدق قلوبهم خوفاً ووجلاً إذا ما رأوه قادماً من بعيد, ويزداد خوفهم إذا ما دق على أبوابهم ليلاً ولو في الثلث الأخير من الليل..

 

فهذه لا تأتي له بهيبة, ولا تزيد عن كونها مظهراً من مظاهر الاستبداد والطغيان واللصوصية, وهو ما لا يرضاه الوطن ولا المواطن السوي, الذي لا يرضى إلا أن تصان كرامته ويحيا بأمن دون خوف, يتمتع بحريته دون عبث أو تفلت أو فوضى, يأمن على نفسه وماله وعرضه.

 

وكي تتحقق الهيبة الحقة يجب أن يخضع الجميع للمساءلة والمحاسبة, ويلزم أن يتولى ذلك جهاز رقابي صارم في عدله, لا يعرف المجاملة ولا ( الصهينة ) ولا يخشى في الحق لومة لائم, فإذا ما أيقن الشرطي أنه محاسب لا محالة, ومراقب لا محالة استقام على القانون؛ فأمن الناس من بطشه أولاً وقبل كل شيء, وحسب له اللصوص ألف حساب, فإن ظلم واستبد فلا يمكن أن يظل في عيون الناس وقلوبهم, بل سرعان ما تزدريه أعينهم وتلفظه قلوبهم, فإن خافوه فليخدعوه ويعيثوا – في غيابه- فساداً وإفساداً, وأما الشرطي المنضبط فإنه يظل في العيون إن حضر أو غاب, وفي القلوب...

 

يحرص المواطنون على احترام القانون الذي يمثله بعد أن أحبوه وأحبهم, وهذا يتطلب المزيد من التثقيف لزيادة منسوب الوعي لدى رجال الشرطة بدورهم وبالرسالة التي يحملونها, والتي يأتي في مقدمتها تنمية قدراتهم على الصبر والإخلاص والتفاني والتواضع, كما يأتي في مقدمتها الرحمة, وتجنب التعسف والعمل بردات الفعل, كما يجب تثقيفه بالواجبات الملقاة على عاتقه وحدود صلاحياته, فلا يقبل أبداً أبداً أن نرى شرطياً يمد يده بالعقوبة على سائق لأنه قد ارتكب مخالفة (ما)، حتى وإن أبى السائق أن يمتثل لأوامره, بتسليم أوراقه..

 

كما أنه ليس بمقبول أبداً أن يترك شرطي حبل الميادين على غاربها خاصة في ساعات الذروة, ليحتاس الناس وتلوص السيارات ويختلط الحابل بالنابل بينما (سيادته) يتسلى بالحديث أو يتشاكل مع سائق أو يأكل (ساندويتشاً) فكيف يهابه الناس؟ وكيف يقدرونه ويحترمونه ويوقرونه؟ من المؤكد أنهم يتجرأون عليه ويستخفون به وبحكومته, هذا الصنف يجب أن يقصى عن مكانه ليحل فيه من يحرص على الصالح العام, فلطالما قلنا: إن المتقدم على الصف خطوة كالمتأخر عنه خطوة؛ فكلاهما قد أحدث فيه اعوجاجاً!! وهذا هو السهم القاتل الذي يصيب هيبة الشرطي في قلبها.