ردًّا على مقالي في الإسلام اليوم، والذي نُشر قبل أيام بخصوص قصَّة الطرود المشبوهة، ورد تعليق باسم أندرو سنو من القيادة المركزيَّة الأمريكيَّة، ورغم أنني لا أملك دليلًا على أن التعليق هو من الاسم المذكور بالفعل، إلا أنني سأتجاوز الاسم إلى المضمون.
يقول الردّ: "إن هذه المقالة مبنيَّة على عدد لا بأس به من مغالطات عجيبة من أولها إلى آخرها، أولًا، يذكر السيد الزعاترة ساخرًا أن هناك أكثر من مؤامرة إرهابيَّة كشفت خلال السنوات التي تلت هجومات 11 سبتمبر قبل تنفيذها بالفعل، وهو يبدو وكأنه يتساءل: أليس إحباط تنفيذ مخطَّط ما هو بحد ذاته دليل على أنه لم ينوجد أصلًا؟" وهنا أحب أن أشير إلى أن عدد الذين اعتُقلوا في أمريكا ودول أوروبا بتُهم الإرهاب كانوا بالمئات، وربما الآلاف، لكن النتيجة أن تلك التهم لم يثبت منها سوى عدد محدود جدًّا جدًّا، وأغلبها (أغلب الثابتة) كانت عمليات استدراج من قبل عملاء الأجهزة الأمنيَّة، وآخرهم فاروق أحمد (الشاب الأمريكي من أصل باكستاني) الذي استدرجه عميل لـ "إف بي آي" أقنعه بالجهاد وإمكانيَّة تفجير قطارات الأنفاق في نيويورك، ولم يلتفت السيد سنو إلى أن معظم الحالات تلك لم تكن ذات صلة مباشرة بالقاعدة، وإنما كانت مبادرات فرديَّة حركتها المظالم الأمريكيَّة بحق الأمَّة الإسلاميَّة مثل حالة الضابط نضال حسن، وعافية صديقي وعمر الفاروق وغيرهم في عدد من الدول الأوروبيَّة كما هو حال (روشونارا تشاودري)، الفتاة البريطانيَّة (من أصل بنغالي) التي طعنت نائبًا بريطانيًّا بسبب تأييده الحرب على العراق.
فيما يخصّ قضية الطرود، يحتجّ صاحب التعليق على سخريتنا منها، ويقول: "لو انتظر قليلًا المتابعة الإعلاميَّة التي يسخر منها، لعلم أن المحققين البريطانيين والأمريكيين يعتقدون أن الطردين كانا معدَّيْن للانفجار خلال رحلة الطائرتين أثناء طيرانهما، ومن المرجَّح أن قوتهما كانت تكفي لإسقاط الطائرتين"، ثم يتحدث عن إمكانيَّة سرقة الهويَّة الشخصيَّة من قِبل آخرين، وبالطبع لإرسال الطرود.
وهنا أعجب من قوله: "ومن المرجَّح أن قوتهما كانت تكفي لإسقاط الطائرتين" لأنه اعتراف عملي بأن القضية ظنيَّة، لكن المثير هو اعترافهم بأن السعوديَّة قد أخبرتهم بالمؤامرة الإرهابيَّة، فلماذا إذن مرّ الطردان من الأصل، ولماذا لم يُعتقل مرسلوهما، أليس في ذلك ما يشير إلى إرادة استثمارها سياسيًّا، أولًا لتبرير استمرار الحرب في أفغانستان، وثانيًا لصالح أوباما، بخاصَّة في موضوع الانتخابات؟!
والنتيجة أن حكاية انفجار الطائرات في الجو هي مجرد كلام لا دليل عليه، وقد قالوا إنها موجَّهة لمعابد يهوديَّة، مع العلم أن إجراءات المعابد اليهوديَّة الأمنيَّة مشدَّدة جدًّا، ولم تكن الطرود لتمرّ أو تؤثر.
والحقيقة أن قصَّة السائل المتفجِّر برمتها تبدو إشكاليَّة ولم تثبتْ، وقصة عمر الفاروق (صاحب طائرة ديترويت) ذاتها كانت مثيرة لعلامات الاستفهام، فقد كانوا على علم بنواياه؛ لأن والده أخبرهم بها ومع ذلك تركوه، ثم ثبت أن المواد التي لديه لا تصنع انفجارًا، بدليل أنها لم تنتج سوى بعض الدخان في الطائرة.
سيقال أن تنظيم القاعدة قد أعلن مسئوليتَه عن الطردين وتحدث عن تفجير طائرة شحن أخرى، لكن سيرة التنظيم تقول أنه يملك الاستعداد لتبنِّي أي عمل ضد الولايات المتحدة حتى لو جاء بمبادرة فرديَّة كما كان الحال في عمليَّة عمر الفاروق، وحتى لو لم يكن صحيحًا ما دام يمنحه المزيد من القوَّة، أو يساهم في إزعاج الولايات المتحدة، ثم لو آمنا أن الطردين كانا من القاعدة، فماذا عن مسلسل الطرود الأخرى؟!
لقد أصبح واضحًا أن ملف الإرهاب كله ملف سياسي، صلته بالأمن جد محدودة، وبالطبع لتبرير استمرار الحرب في أفغانستان والعراق، ونتذكَّر كيف اتهموا صدام بالصلة بالإرهاب، تمامًا كما اتَّهموه بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، أما بالنسبة لبعض الدول كما هو حال اليمن، فإن الإرهاب هو "بزنس" لجلب المساعدات الماليَّة والدعم السياسي في مواجهة الغضب الشعبي.
لا يعني ذلك أننا ننفي وجود محاولات لتنفيذ عمليَّات هنا وهناك، وقد تكون قصة الطرود منها، لكن ذلك لا ينفي أن كل تلك المحاولات لا ترقى إلى مستوى التهديد الذي يواجه دولًا كبرى بحجم الولايات المتحدة وحليفاتها الأوروبيَّات.
يبقى أن نقول لصاحب التعليق ومن يقفون وراءه: اخرجوا من ديار المسلمين وتوقفوا عن دعم الاحتلال الصهيوني وانظروا إن كان مسلم سيستهدفكم أم لا، وإذا كان أسامة بن لادن نفسه قد عرض عليكم أمرًا كهذا، فما هو حال من تبقَّى من الأمَّة؟! ونذكّركم هنا بأنكم أنتم الذين طاردتموه من السودان إلى أفغانستان.
أليس من العقل أن تفكروا لماذا يتمنَّى كثير من أبناء المسلمين مواجهتكم، هل للأمر صلة بالأفكار والأديان، ألم نكن متدينين قبل النصف الثاني من التسعينيات؟!
إننا نرفض بكل وضوح استهداف المدنيين الأبرياء في أي مكان كانوا ومن أيَّة ملَّة كانت، لكننا نؤكِّد أن العنف هو في الأصل نتاج سياساتكم، لأن العنف في الأصل ليس ظاهرةً فكريَّة، بل سياسيَّة بالدرجة الأولى، وهي إنما تستخدم الأفكار للتبرير والتسويق، أحيانًا بشكل صائب وأخرى غير ذلك.


