الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:36 م

مقالات وآراء

"إما سلطة وإما مقاومة".. نظرية بائسة

حجم الخط

المثالية أو النموذجية قد نجدها في النصوص والخطابات والأفكار العابرة ولكن كلما اقتربنا من دائرة الفعل والعمل أو بالأحرى من دائرة التطبيق قد لا نتمكن من تجسيد النص والخطاب والفكرة بالصورة التي نرغبها أو نظنها مثالية، وقد نكتشف أن مثاليتها كانت نابعة من قصور في تصوراتنا ومن بقائها في دائرة النظرية وعدم إخضاعها لسلسلة من التجارب التي من خلالها فقط يمكن إطلاق الحكم الأقرب إلى الصواب.

 

السياسيون على كراسي المعارضة تكون أحلامهم وردية ووعودهم فياضة فهم يتكلمون فقط ولا يعملون، يكسبون الأصوات على حساب أخطاء الغير ولا يحاسبهم أحد على أخطائهم لأنه لا أخطاء بدون عمل، ولكن ما إن تصل المعارضة إلى كرسي الحكم حتى تتبدل الأمور رأساً على عقب ، فيتحول الكلام المعسول إلى كلام مسئول وموزون بغض النظر إن تم وزنه على قافية المصالح الاستعمارية أو الاحتلالية أو على قافية المصالح العليا للشعب والرعية.

 

المنظرون السياسيون الذين لا هم في الحكم ولا هم في المعارضة لديهم متسع اكبر للحديث والمزاودة، فعلى سبيل المثال فإننا نجد على الساحة الفلسطينية من يطالب الفلسطيني بالتزمت والتشدد وحتى التشنج، إما اسود وإما أبيض فلا مكان للون الرمادي، إما مقاومة لا هدنة فيها مع اليهود ولا حتى مصالحة داخلية مع أبناء الشعب الواحد،وإما سلطة مستسلمة، فهم لا يرون إمكانية الجمع بين السلطة والمقاومة، ما بين العمل السياسي والعمل العسكري، وهؤلاء حساباتهم ضيقة محدودة، لا يحملون هَمّ رفع الحصار عن مليوني فلسطيني، ولا يفكرون في حل مشكلة انقطاع التيار الكهربائي والوقود ولا في إرسال المرضى للعلاج في الخارج، ولكنهم فقط تفرغوا لمراقبة فيزيائية التصريحات وكيميائيتها، فهل هي مائعة لزجة أم صلبة، وهل هي تصريحات حارقة أم خارقة، فلا مشاكل، طالما هناك من يصفق ويمتدح ويبارك وليس هناك من يطلب عونا يستلزم العمل.

 

القيادات الفلسطينية المقاومة ملزمة بأخذ احتياجات الشعب بالحسبان كما هي ملزمة بمصالحه العليا، فالمقاومة بحاجة إلى شعب قادر على الصمود، ولا يمكن اتباع مقولة " كل واحد يدبر راسه" التي وردت على لسان أحد قيادات منظمة التحرير. القضية قضية وطن وشعب، والمطلوب تحرير الوطن وحماية الشعب الفلسطيني ودعم صموده وذلك لا يكون بغياب القيادة والحكمة، ولا يتصور أن تكون هناك مقاومة دون أفق سياسي في الحالة الفلسطينية الراهنة.

 

الشيخ الشهيد احمد ياسين "رحمه الله" قال بأن المقاومة الفلسطينية وحدها ربما لا تكون قادرة على تحرير فلسطين، ولكنها قادرة على تحريك الشارع العربي والإسلامي لتحقيق هدف التحرير، وفي الوقت ذاته كان الشيخ صاحب فكرة الهدنة طويلة الأمد مع الاحتلال الصهيوني بالشروط المعروفة وأهمها عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال، ولا أشك أن تلك فكرة صائبة، لأن فلسطين هي ارض المسلمين جميعا، ولا تعود جميعها إلا عندما يعود غالبية المسلمين إلى دينهم وجهادهم، ولكن في ظل تخاذل الأنظمة العربية وإغلاق الحدود في وجه المجاهدين والمقاومين وحتى أمام بعثات الإغاثة الطبية والإنسانية يمكن للفلسطيني أن يجمع ما بين المقاومة والسياسية دون أن يقدم التنازلات، فإن فتحت الحدود وجيشت الجيوش لتحرير فلسطين حينها تكون السياسة عبث وتعطيل لمصالح الأمة.