حدثني بألم.. هل تتصور أن شاطئنا الذي كان يتميز بترابه الناعم النظيف، ونجد متعة ونحن صغار في الدحرجة من أعلى سوافيه إلى سفوحها فلا تتلوث ملابسنا ولا يثور في وجوهنا غبار، كيف أصبح اليوم؟ زحفت إليه أوساخ اليهود بعد أن زالوا عما بنوه من مستوطنات، ودمروها قبيل رحيلهم فتركوا آلاف الأطنان من الردم والنفايات الصلبة والأشجار، التي أمست حطبا جافا تعشعش في أحشائه الجرذان والعرس وبنات آوى !!!
فقلت: ولماذا أتصور وأنا أرى كل ذلك؟ فتتملكني الحسرة والحزن, فقال: وهل ترى الطرق الالتفافية التي كانت ملساء وليس فيها من حفرة أو مطب، كيف أصبحت؟؟
فقلت: بفعل الحصار، فلم يسمح المجرمون منذ أن انكشحوا بدخول الأسفلت أو مواده الأولية وحتى المازوت والجازولين أو الحصمة، فكيف يمكن ترميم تلك الطرق التي تضربها عوامل التعرية صباح مساء؟!
قال: وهل تتصور أن المخزون الجوفي الذي كانت مياهه هي الأنقى والأعذب بين أمواه الدنيا؛ مما أغرى الصهاينة به، فأنشؤوا عشرات الآبار وزودوها بموتورات نضح هائلة، استثمرتها أكبر شركة مياه في الكيان الصهيوني، وأعني شركة ( ماكاروت) فسرقت ملايين ( الأكواب) وباعت أمثالها للمزارع الفلسطيني في شرق القطاع، وإلى المستشفيات، وزودت به مراكز تجمعاتهم وأجهزتهم الأمنية والشرطية ؟!
قلت: وماذا جرى لهذا الخزان الجوفي، وقد انكشح اليهود؟ فقال : أبدا ولكن الصهاينة دمروا الآبار وما عليها من موتورات !! قلت : هذا شيء متوقع ، وليس بمستهجن من هؤلاء الفاشيين ، بل الفاشيون أرحم وأكثر إنسانية !!
قال : وقد قامت بلدياتنا بترميم بعض هذه الآبار. قلت : هذا شيء يستحق أن نفخر به خاصة وأن ملوحة المياه الجوفية لكثير من الآبار تزداد كلما اتجهنا شرقاً ( عن الشاطئ ) حتى وصلت إلى أعلى نسبة في بعض مواقع الكرة الأرضية !! قال : وهل بقيت مياه الشاطئ على حالها من العذوبة والنقاء ؟ قلت : لا علم لي !!
قال بحسرة وألم : لم يبق لكثير منها نقاء ولا عذوبة ، فقد زحفت إليها مياه المجاري، فاخترقت الطبقة الرقيقة التي تغلفها عن سطح الأرض ، فخالطتها حتى غلبت عليها ، لدرجة أن المياه المستخرجة منها تخرج مزيجا منها والمجاري ، بل تعدى الأمر إلى أن أحواض ترسيب المجاري قد أضرت بسبع عشرة بئرا منها ، والبقية - على قلتها- مهددة ، سألت بانزعاج : ومن الذي أنشأ تلك الأحواض أو البرك ؟ قال : جهات أجنبية مانحة ومنها هيئات لها شهرة دولية في تقديم المساعدات الإنسانية !! وقد أنفقوا على ذلك الملايين !!
قلت بانزعاج أشد : إذن هذا مشروع قتل وإبادة للإنسان الفلسطيني ، وأشد خطراً عليه مما كان يفعله الصهاينة من سرقة الماء ثم بيع بعضها لنا !! قال : نعم . قلت : وأشد خطراً من حرب الفرقان عندما ضرب الصهاينة شعبنا بأسلحة التدمير الشامل والمحرمة دوليا !!
قال : نعم ، فالحرب قد انتهت بعد أن أحدثت كوارث آنية ، فآلاف الشهداء وآلاف الجرحى وآلاف البيوت المدمرة ومئات قد أصابت أجسادهم إشعاعات ألفا وبيتا وجاما المسرطنة، ولكن أستطيع أن أقول : إن آثارها محدودة بالقياس لما تحدثه هذه المياه الملوثة من أمراض قاتلة مستوطنة بين مئات الآلاف من شعبنا، فضلاً عما تدمره من ثروة حيوانية وزراعية ممتدة ، كان يمكن التخفيف من آثارها لو قام عليها مهندسون منتمون وفنيون وضعوا مخططات استراتيجية تجنب الخزان الجوفي هذه الكوارث !!!
قلت: مع التسليم بالأمر الواقع ، فكيف يمكن تلافي هذه الكارثة ؟ قال: يجب أن يتوقف العمل بهذه الآبار فوراً ، هذا أولاً ، وأما ثانياً فلابد من جعلها قضية رأي عام دولي؛ بأن تتولى لجان دولية ذات اختصاص وصدقية ونزاهة للتحقيق في هذه الكارثة للوقوف على آثارها وأبعادها والفاعلين، ومقاضاتهم بعد منعهم من التمادي في هذه المنح ( الجريمة )..
وأما ثالثاً فلابد من رصد ميزانيات على عجل لإنشاء شبكات الصرف الصحي وأحواض ترسيب على أسس علمية تحمي الخزان الجوفي، وقد تسألني : من أين الميزانيات؟ لأقول : بتحويل ما اعتمد من أموال لإنشاء منتجعات سياحية و مدن ملاهٍ، فهذه مما يمكن تأجيلها رغم أهميتها، إلا أنها أهمية ثانوية ، ثم تسويق مخططات (المشاريع) لجهات مانحة موثوقة مصحوبة بدراسات علمية مخبرية وإحصائية للأضرار التي نجمت عن هذه الكارثة.
