الخميس 01 يناير 2026 الساعة 08:57 م

مقالات وآراء

جون جنج والسلوك الاستعماري

حجم الخط

مما تقرر في قوانين وكالة الغوث أن سياستها هي سياسة الدولة المضيفة، وبالتالي فإنها ملزمة بالسير وفق القوانين السورية في سوريا ، والأردنية في الأردن، واللبنانية في لبنان، وبهذا فإنها ملزمة بالسير وفق القوانين الفلسطينية في فلسطين، وفي عقدي الخمسينيات والستينيات كان تلاميذ المدارس ( وأنا منهم ) نعيش القضية بكل أبعادها، وندرس في المنهاج الدراسي تاريخ فلسطين ، وكان نشيد الصباح فلسطيني ( بلادنا بلادنا.. من أجلها جهادنا.. من أجلها استشهادنا.. بلادنا بلادنا.. )..

 

وكان المدراء يتبارون في تزيين جدران مدارسهم بصور الجنود المدججين بالسلاح المتوجهين إلى فلسطين، الخائضين للمعارك ، وألسنة اللهب والدخان تملأ الجدار، بينما الجنود يقتحمون المستوطنات الصهيونية ، بينما الصهاينة يولون الأدبار مذعورين، وعلى الجدار المواجه للباب الرئيس كانت خارطة فلسطين تغطي الجدار في كل مدرسة، حتى حفظها تلاميذ الابتدائي ، وجرت أصابعهم بتلقائية في رسمها، تكميلا لنشيد الصباح ( من رفح لصفد .. خريطة لبلدي ... رسمتها في كبدي .. أورثتها لولدي .. ففي غد ميعادنا ...بلادنا بلادنا..)..

 

ولقد كان المدرس قدوتنا ، فهو الموجه ، والثائر والخطيب ، وقائد المظاهرة والمسيرة ... يزرع في قلوبنا الانتماء لوطننا المحتل ، ونراه في اليوم التالي وقد اعتلى الأكتاف وهو يقود الشعب في مظاهرة ثائرة رافضاً ( التوطين ) ، لقد رأيت أحمد عطية أبو هاشم ، ورجب العطار ، وعبد الرحمن الجمل في رفح ، وعلمنا أن معين بسيسو وعز الدين طه ، وفتحي البلعاوي في المعسكرات ، وهم يلهبون الجماهير حماسة كلما علم المدرس بمؤامرة على قضيتنا ، وكلما مرت ذكرى كارثة أصابت شعبنا ؛ وعد بلفور ، التقسيم ، دير ياسين ، العدوان الثلاثي ، انسحاب الصهاينة من غزة ( مارس 57) ... لقد استقر في وجداننا أننا سنعود حتماً سنعود .. غدا ، أو بعد غد ، لقد كانت الوفود القادمة من آسيا وأفريقيا ، وكانت أحيانا لطلاب في مثل أعمارنا نستقبلهم في مدارسنا، وتنظم لهم مدارسنا احتفالات رائعة...

 

وكان أساتذتنا يدربوننا ، لنتقن فنون الاستقبال والوداع وشرح قضيتنا، ولا ننسى أبداً أن نشرح باستفاضة عن ظلم الصهاينة النازيين أو الفاشيست.. نحكي لهم عن الهاجاناة وما فعلوه ، وعن الجيوش السبعة وكيف ضاعت اللد والرملة و.. ولم تكن وكالة الغوث لتعترض، ولم يتوجه أبداً أبداً مجرد لفت انتباه لمدرس أو طالب أو مختار أو موجه ، بل كان مدراء المعسكرات يشاركون في هذه النشاطات والفعاليات حتى 5 يونية 67 فتبدل الحال ، ولكن ليس حال الوكالة ، ولكن القوانين التي ينبغي أن تلتزم بها الوكالة، وهي قوانين الاحتلال بعد أن أصبح الكيان الصهيوني هو المضيف – فمنع كل ذلك – ولكن لم نسمع أن الوكالة قد طردت مدرساً أو تلميذاً لنشاطه الفدائي ، فكان المدرس يغيب عن عمله مدة سجنه مهما طال ليعود ثاني يوم بعد الإفراج عنه لمباشرة عمله..

 

فقد عاد عبد ربه أبو عون وقاسم أبو حسون.. والحالة الوحيدة التي رأينا فيها تعسفاً ليس من الوكالة ولكن من الاحتلال كانت حالة (أحمد نمر) فقد كان مدير مدرسة ، خطيباً ، مفوهاً ، حماسياً ، لذا أجبرت المخابرات الإسرائيلية مدير الوكالة ( مستر جيني ، هوبكنز- كوك) على نقله إلى عمل آخر بعيد عن التعليم ، وبنفس الدرجة والراتب ، رغم أن الرجل ( هوبكنز ) قد ناضل جداً لمنع النقل، وأخيرا استسلم، قائلاً بحسرة : أنا لا أحمل سلاحاً ولكن لساناً وورقة وقلماً ، وهي لا تجدي مع جيش الاحتلال.

 

وأما اليوم، فإن جون جنج يسلك هذا السلوك الغريب في ظل حكومة فلسطينية مضيفة، وليس حكومة احتلال فيطرد معلمتين لمجرد إرشادهما لطالبة أن تضع غطاء رأس، ويطرد مفتشا لمجرد أن مدرساً قد قصفته طائرات الاحتلال فاستشهد، ويطرد مدير مدرسته، مما أحدث الرعب وكمَّم الأفواه!! إن هذا السلوك لا يمكن أن يكون مقبولا، ولا يمكن فهمه إلا على أنه سلوك استعماري بغيض، وانتهازي مرفوض وغير قانوني، بل هو سلوك عدواني يجب أن يوضع له نهاية !! خاصة إذا أضفنا إليه جنوح جون جنج إلى تدريس (الهولوكوست) برواية صهيونية ، وتأكيد حق اليهود في بلادنا!!!