الأربعاء 28 يناير 2026 الساعة 06:30 م

مقالات وآراء

«الفلسطينيون يحرسون والمستوطنون يسلبون والمتبرعون يدفعون»!!

حجم الخط

الكاتب الإسرائيلي المعروف "عكيفا الدار" ليس متعاطفاً مع الفلسطينيين، لكنه مستاء كما يبدو من تعنت نتنياهو غير المبرر وغير المنطقي، تماماً كما كان حال توماس فريدمان الذي صرخ هو الآخر في "نيويورك تايمز" من دلال الإسرائيليين وإذلالهم لأوباما رغم كل ما قدمه لهم.

 

والحق أن مستوى الاستياء من نتنياهو يبدو واسعاً في أوساط النخبة السياسية الإسرائيلية، إلى جانب النخبة الصهيونية خارج الدولة العبرية، وبالطبع بعد رفضه للعرض المدجج بالإغراء الذي قدمه له أوباما مقابل تجميد الاستيطان لمدة شهرين لا أكثر من أجل استئناف المفاوضات قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ومن أجل اعتبارات أخرى يلح عليها البنتاغون انطلاقاً من مخاوف اندلاع انتفاضة جديدة ستشعل برأيهم المنطقة وتؤثر على جنودهم في العراق وأفغانستان.

 

الآن يبدو أن نتنياهو في طور التراجع عن تشدده وإعلان التجميد لمدة ثلاثة أشهر، قد تتبعه تسعة أشهر أخرى بمستوى أقل من الالتزام (تسامح مع ما يسمى النمو الطبيعي للمستوطنات)، وهي مدة ستكون كافية للتوصل لاتفاق الإطار الذي يريده أوباما (يطبق في عشر سنوات)، وبالطبع ضمن صفقة متكاملة مع الإدارة الأمريكية، ستحصل الدولة العبرية مقابلها على مساعدات عسكرية واقتصادية، وربما ضمانات سياسية تحاكي كتاب الضمانات الذي منحه بوش لشارون في نيسان من العام 2004.

 

ذكرنا "عكيفا الدار" في مفتتح هذا السطور بسبب المقال الذي كتبه يوم الاثنين الماضي في صحيفة "هآرتس" بعنوان "نهاية أوسلو" والذي يفضح فيه حقيقة ما يجري في الساحة الفلسطينية وعلاقتها مع سلطات الاحتلال، الأمر الذي لا يضيف الكثير، لكنه يذكّرنا بالمعادلة المثيرة للقهر التي يعيشها شعبنا الفلسطيني في الداخل.

 

"عكيفا الدار" هو ذاته صاحب مصطلح "الاختراع العبقري المسمى سلطة فلسطينية"، وهو هنا، وفي سياق من نقد سلوك نتنياهو، يعيد تذكيرنا بطبيعة السلطة وما تقدمه للطرف الإسرائيلي على نحو أكثر فضائحية من أي وقت مضى، وإن سبقه كثيرون إلى فعل ذلك.

 

يقول الكاتب الإسرائيلي "منذ أن جرّت فتح الفلسطينيين إلى مسار أوسلو أخذ وضعهم يتدهور: فقد أُبعدوا عن 60 في المائة من أراضي الضفة (المنطقة ج) وعن شرقي القدس، وفقد آلاف منهم أماكن عملهم في إسرائيل. أصبح الاتفاق الذي وقعه إسحق رابين قبل 17 سنة في واقع الأمر ترتيب عمل لمقاولين فلسطينيين ومصدر رزق لمقربيهم".

 

في مقابل ذلك، يضيف "عكيفا الدار": "منذ سيطرت أجهزة أمن السلطة على الضفة الغربية وأخذت تساعد الجيش الإسرائيلي و"الشاباك" في إحباط العمليات، أصبح الاحتلال مريحاً للجمهور الإسرائيلي. بل إنه أصبح مريحاً أكثر مما كان عليه أيام "الاحتلال المستنير" التي سبقت الانتفاضة الأولى. فبفضل أوسلو، يحرس الفلسطينيون، ويسلب المستوطنون ويدفع المتبرعون. وفي الأثناء يستضيف رئيس الولايات المتحدة "بيبي" في البيت الأبيض ويأتي وكلاء يهود من نيويورك ليحتضنوه".

 

تلك هي المعادلة "الفضيحة" التي تعيشها السلطة، وإذا كان البعض يصنفنا متطرفين عندما نتحدث عما كان يسميه الإسرائيليون أيام ياسر عرفات "السيناريو الكابوس" ممثلاً في حل السلطة وحرمان الإسرائيليين من المزايا الأمنية والاقتصادية والسياسية التي ترتبت على وجودها، فإن "عكيفا الدار" نفسه يذكّر بذلك أيضاً، حيث يشير إلى أن سري نسيبة الذي اختفى عن الساحة في الآونة الأخيرة كان قد طرح ذات الطرح في صيف 2008، وخلاصته أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في غضون سنة، ستعيد السلطة مقاليد الأمور إلى الإسرائيليين.

 

هنا يعلق "عكيفا الدار" بالقول: "من المؤسف أن نسيبة كان على حق. ومن المؤسف أن هذه هي الطريقة الوحيدة لهز الإسرائيليين من وهمْ الوضع الراهن، القاتل الصامت للسلام".

 

من جانبنا، نثق كل الثقة في أن قيادة السلطة لن تفعل ذلك إلا في حال قررت التحول إلى قيادة استشهادية (وهي لن تقرر ذلك)، ومن جانب آخر، فإن منح حماس الشرعية لواقع السلطة من خلال الحديث عن مصالحة (لن تعني غير الإبقاء على جوهره القائم مهما وقع تجميله ببعض المساحيق) لا يصب في خدمة القضية أيضاً، وهو يمنح خصوم الحركة فرصة القول إن هدفها هو الحفاظ على سلطتها في القطاع، مع أن واقع الأخير يبدو مختلفاً من حيث خروج قوات الاحتلال (شبه محرر)، وإمكانية جعله قاعدة للمقاومة تدار بالتوافق.

 

لقد آن أوان الاعتراف العلني بأن هذه السلطة هي عبء على نضال الشعب الفلسطيني، وأنه لا حل إلا بقلب الطاولة في وجوه المحتلين وإعادة الوضع إلى نصابه الصحيح، أما استمرار المسار القائم فليس من ورائه غير تصفية القضية بكيان تحت الاحتلال في حدود الجدار، ومن ثم تحويلها إلى مجرد نزاع حدودي مثل عشرات النزاعات الحدودية في العالم.