هذا مطلع قصيدة شهيرة لإيليا أبي ماضي يقول فيها :
نسي الطين ساعة أنه طين حقير فصال تيها وعربد
وكسا الخزّ جسمه فتباهى وحوى المال كيسه فتمرد
يا أخي لا تمل بوجهك عني ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
أنت لم تصنع الحرير الذي تلبسُ واللؤلؤ الذي تتقلد
وقد صدق ايليا ، ففي ساعة قد تستوعب عمر هذا المسكين ينسى حقارة شأنه فيرى نفسه أنه الأبلغ، وأما من دونه فأغبياء، وأنه الأقوى، وأما من دونه فمهازيل ، لا حول لهم ولا قوة إلا إذا استجاروا بحماه ، وأنه السيد، وأما من دونه فعبيد ينتظرون فضلاته لا فضائله ، وأنه ولي نعمتهم ومن راحتيه قطر الندى ، وبإشارة من خنصره تميد الأرض ، وتنهد الجبال ، وتتوقف الأفلاك وتنشق السماء وتنكسف الشمس وينخسف القمر...
وما درى أنه كلما تعاظم في نظر نفسه كلما احتقرته الأعين ، وصغر حتى في نظر الصغار ، شأنه في ذلك شأن من يقف على سطح ناطحة سحاب ، ينظر إلى سائرين على الأرض فيراهم – بالكاد – كصغار النمل ( الذر) ، ولا يدري أنهم يرونه كذلك ( نملة صغيرة ) يتضاءل كيانها حتى ليكاد أن يتلاشى ، وقد يخدعه نظره فيمتلئ قناعة أنه يستطيع سحقهم ( بسبابته ) فينتفش غروراً وصلفاً ووقاحة ..
رغم أن الآيات لها وقع الزلزال، فتقول له: إياك أن تنسى ، ولو ألقى لها السمع وما استسلم لسلطان النسيان ( إنا خلقناه من طين لازب ) و ( من صلصال من حمأ مسنون ) وهي الطين السوداء ذات الرائحة الكريهة النتنة ، وما كان التذكير القرآني المتكرر إلا لكي لا ينسى هذا المسكين أصله وفصله ، ولا يظنن نفسه أنه يستطيع أن يخرق الأرض أو أن يبلغ الجبال طولا ، وسيظل كذلك في نظر الخلق حتى يتذكر؛ فيتواضع ويلجم لسان الغرور في داخله، والذي يوهمه بأنه الأبلغ والأقوى ، وأنه فوق الجميع ، ويزداد حاله سوءاً إذا وجد فيمن حوله من يهز له ذيل النفاق والتزلف ، فيؤكد له الوهم فيزداد وقاحة وصلفا !!
وقد حفظ لنا التاريخ أمثلة من هؤلاء يأتي في مقدمتهم الوليد بن المغيرة الذي حذر الله من طاعته والاقتداء به ( ولا تطع كل حلاف مهين ، هماز مشاء بنميم ، مناع للخير معتد أثيم ، عتل بعد ذلك زنيم ، أن كان ذا مال وبنين ) ولا فرق فيما لو كان ذا منصب أو سلطان زائل لا محالة، إذا نفخ في مناخره إبليس؛ أنه الأبلغ والأقوى ، وما درى هذا الغبي أنه – بذا – كان الأحقر شأناً والأهون في ميزان الحق، وسيوسم على الخرطوم .
وأيضا هناك نيرون الذي دله غروره واستصغاره لشأن غيره أن يضرم النيران في روما، وما حوت من كنوز معرفية ومدنية وعلماء ومنهم أساتذته؛ فكان مثلاً للسوء والوقاحة والغرور والجريمة!!
وهناك واحد من الملوك ،قد غمس جسد أستاذه في حوض من حمض الكبريتيك المركز؛ فأذاب هيكله العظمي إلى ذرات لا تكاد حتى بالمجهر ، فاحتل الفاعل أحط منزلة ، وأحقر شأن لغدره ، وسوء سريرته وقبح سيرته ، رغم أن جنده يلقونه ساجدين أو راكعين، في الوقت الذي تلعنه الملائكة ويلعنه اللاعنون..!!!
وأما الضحية فقد أضحى رمزا للفداء . وهناك من أصحاب الطباع الخسيسة اللئيمة ، الذين يضيق المكان إذا حلوا به ، ويسير الفشل – في تأليف القلوب – في ركابهم كلما ساروا أو حلوا ، قد سلطهم الله على أنفسهم وشقوا بها ، وأشقوا من حولهم ، رغم أن العلاج لما هم فيه من بلاء بسيط وعبقري لا يزيد عن ( ولا تصعر خدك للناس ، ولا تمش في الأرض مرحا ) وعن ( من تواضع لله رفعه ) وعن ( خير الناس أنفعهم للناس ) وإن لم يملك النفع فـ ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) ويسد مسدها ( وقولوا للناس حسنا ) أو ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) أو يتذكر ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) ، ولكن ذلك كله لا يجدي مع من ينسى ساعة أنه طين حقير فيصول تيها ويعربد على رأي ايليا أبي ماضي !!!


