الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:36 م

مقالات وآراء

مستقبل التسوية في ظلّ الانسحاب الأمريكي من العراق

حجم الخط

تدلِّل كل المؤشِّرات على أن أحد أهم الأسباب التي تكمن وراء التحوُّل في موقف الإدارة الأمريكيَّة الحاليَة من إسرائيل، والذي تمثِّل حرص الرئيس أوباما على استرضاء نتنياهو وتجنُّب ممارسة أي ضغط عليه في الوقت الذي ضاعفَ فيه من ممارسة الضغوط على الأطراف العربيَّة والفلسطينيَّة، مرتبط أساسًا بقرار الولايات المتحدة سحب قواتِها من العراق والإعلان عن نيتِها الانسحاب من أفغانستان، حيث تبيَّن أن صناع القرار في تلّ أبيب قد نجحوا في إقناع إدارة أوباما بأن المصالح الاستراتيجيَّة العليا للولايات المتحدة تحتِّم على واشنطن إعادة الاعتبار لمكانة إسرائيل كحليف موثوق ومستقرّ، بعد الانسحاب من العراق والانسحاب المتوقَّع من أفغانستان.

 

لقد حرصَت النخَب الحاكمة والكثير من صنَّاع الرأي العام في إسرائيل على تقديم الانسحاب الأمريكي من العراق على أنه وصفة أكيدة لحالة خطرة جدًّا من عدم الاستقرار في المنطقة تهدّد مصالح الولايات المتحدة والمتمثِّلة بشكلٍ خاص في ضمان تدفُّق إمدادات النفط بدون أي إعاقة، وهدفتْ حملة التخويف التي قامت بها تل أبيب إلى إقناع الأمريكيين بأن الانسحاب من العراق سيجعلُ هذه البلاد تقع تحت سيطرة الإيرانيين بشكل يعزِّز "محور الشرّ"، ويضعف الأنظمة العربيَّة المتحالفة مع الولايات المتحدة في المنطقة، حيث يدَّعي الإسرائيليون أن التحالف الإيراني السوري سيكتسب قوَّة إضافيَّة بسقوط بغداد في قبضة الإيرانيين، ولم يفت الإسرائيليين الإشارة إلى أن الانسحاب من العراق سيدلِّل على تراجع نفوذ أمريكا في المنطقة، مما سيعمل على تآكل قوَّة ردعِها، لدرجة أنه سيشجِّع الأطراف العربيَّة المناوِئة لها على المسّ بمصالحها، وسيعمل على تحوُّل العراق إلى نقطة للانطلاق لضَرْب المصالح الأمريكيَّة، وتحديدًا في الخليج العربي.

 

ويؤكِّد الإسرائيليون أن ما يفاقِم تأثير التداعيات الخطيرة للانسحاب الأمريكي من العراق هو المشاكل الهائلة التي تواجه الأنظمة المتحالفة مع الولايات المتحدة، وتحديدًا النظام المصري، وعلى وجه الخصوص المخاطر التي تكتنف انتقال السلطة بعد خروج الرئيس حسني مبارك من دائرة الفعل السياسي، مع العلم بأن الأمريكيين يعوِّلون على الدور الذي يلعبه هذا النظام في التصدي لـ " الخطر الإيراني" وكما يقول الكاتب الإسرائيلي ألوف بن فان حالة عدم اليقين السائدة في كلِّ ما يتعلَّق بمستقبل النظام في القاهرة تحتم على الأمريكيين تقليص رهاناتهم على أنظمة الحكم الديكتاتوريَّة المتحالفة مع واشنطن في المنطقة، ويحذِّر الإسرائيليون الإدارة الأمريكيَّة من مغبَّة انهيار عقيدة الرئيس أيزنهاور التي حكمت الاستراتيجيَّة الأمريكية في المنطقة منذ عام 1957، والتي قامتْ على مواجهة الأطراف التي تهدِّد المصالح الأمريكيَّة، مما جعل الولايات المتحدة لا تتردَّد في مواجهة كلّ زعماء الدول وقادة التنظيمات الذين تحدّوا الإرادة الأمريكية ابتداءً من جمال عبد الناصر وانتهاءً بصدام حسين وأسامة بن لادن.

 

ووفقَ هذه العقيدة فقد دافعت الولايات المتحدة عن الأنظمة العربيَّة المستبدَّة المتحالفة معها، حيث تستمدُّ هذه الأنظمة قدرتها على البقاء من الدعم الأمريكي لها، مقابل خضوعها لمحددات المصلحة الأمريكيَّة ودعمها لمجمعات الصناعات العسكريَّة الأمريكيَّة عبر التوسُّع في شراء كميات هائلة من السلاح الذي يصدأ في الغالب في مخازنِه.

 

ويدَّعِي الإسرائيليون أن الانسحاب الأمريكي من العراق في ظلّ عدم استقرار الأنظمة المتحالفة مع أمريكا سيؤدي إلى فتح شهية المزيد من القوى في المنطقة للتحرُّش بواشنطن، مما يدلِّل على وجوب إعادة الاعتبار لمكانة إسرائيل كـ "حليف موثوق ومستقرّ وقوي" للولايات المتحدة في المنطقة، والتصدي للخط الذي تعبِّر عنه الكثير من النخب في الولايات المتحدة، والتي تعتبر أن إسرائيل تمثل في الواقع عبْئًا على الولايات المتحدة وليس ذخرًا استراتيجيًّا لها.

 

ويدَّعِي الإسرائيليون أن الانسحاب من العراق سيؤدي إلى تهاوي نقطة الافتراض القائلة بأن إمكانيَّة مبادرة العرب لشنّ هجوم على إسرائيل ضئيل جدًّا، ويرون أن الانسحاب سيزيد من فُرَص شنّ هذه الحرب، مما يزيد من خطورة الجبهة الشرقيَّة، ويرَْن في تل أبيب أنه في ظل هذا الواقع يتوجب على الكيان الصهيوني مواصلة السيطرة على الضفة الغربيَّة التي يفترض أن تمتصَّ أي هجوم عربي من الجبهة الشرقيَّة، ولما كانت المستوطنات اليهوديَّة تمثِّل مواقع متقدِّمة للجيش الإسرائيلي وتؤدي د