الخميس 29 يناير 2026 الساعة 06:50 ص

مقالات وآراء

فهمي هويدي

محلل سياسي وكاتب مصري
عدد مقالات الكاتب [1149 ]

زعيم حتى آخر نَفَس

حجم الخط

عودة البروفيسور نجم الدين أربكان إلى رئاسة حزب السعادة التركي وهو في سنه الرابعة والثمانين تجسد مشكلة السياسي الذي لا يعرف متى يعتزل، فيتحول من نجم وقيادة مرموقة إلى كهل محاط بمشاعر العطف والرثاء بأكثر من مشاعر التقدير والاحترام.

والسيد أربكان، لمن لا يذكر، يعد رمزا مهما في تاريخ تركيا الحديث. باعتباره أول من جرؤ على تأسيس حزب سياسي له مرجعيته الإسلامية بعد نحو نصف قرن من إلغاء الخلافة العثمانية. كان ذلك في عام 1970 الذي أسس فيه حزب «النظام الوطني» لأن رياح العلمنة الشديدة التي ضربت تركيا منذ العشرينيات حظرت ذكر الإسلام أو الشريعة في المجال العام.

ولذلك فإن الرجل اختار اسم النظام الوطني لحزبه الوليد، وحين تم حله في العام التالي مباشرة شكل حزب «السلام الوطني». الذي حل بدوره فشكل الرجل العنيد في بداية الثمانينيات حزب «الرفاه».

وكان قد اشترك خلال السبعينيات في ثلاث حكومات ائتلافية، إلا أن حزبه الجديد حقق فوزا نسبيا في انتخابات عام 1995، مكنه من تولى منصب رئيس الوزراء في حكومة ائتلافية مع حزب «الطريق القويم». ولم يهنأ بالمنصب لأن العسكر أجبروه على الاستقالة بعد سنتين، وقررت المحكمة الدستورية حظر حزب الرفاه في نفس العام (1997).

لكن «الخوجة» لم ييأس فشكل بعد ذلك حزب «الفضيلة». الذي حل بدوره وحرم أربكان من العمل السياسي، فواصل أعوانه المهمة وشكلوا حزب «السعادة»، برئاسة الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي نعمان كورطولمش.

طوال السنوات الأربعين التي خلت لم تفتر عزيمة أربكان، وظل حاضرا في قيادة الحزب إما بشخصه أو بنفوذه. ولم يتخل عن ذلك الحضور حتى بعد أن تقدم به العمر وضعفت قدرته على التركيز. في الوقت ذاته فإن حوارييه ظلوا يحيطون به ويحتفظون بولائهم له، وأصبحت علاقته بهم أقرب إلى علاقة شيخ الطريقة بأتباعه، وهو ما لمسته في أكثر من مناسبة، آخرها أثناء شهر رمضان قبل سنتين. حين دعيت إلى الإفطار على مائدته، التي تصدرها بقامته المديدة وطلعته المهيبة. وكان حواريوه يصطفون على جانبي المائدة، ويستمعون إلى كلماته كأن على رءوسهم الطير.

استمر الرجل يتكلم لمدة ساعة تقريبا، لم يتناول خلالها شيئا، في حين استمعنا إليه ونحن نتناول طعام الإفطار، ولم يكن ذلك أكثر ما لفت انتباهي، لأن ما أدهشني حقا أنه ظل طوال تلك الساعة يحدثنا عن ذكرياته ولم يقل لنا شيئا مفيدا، ولم يتجاسر أحد من حوارييه على تنبيهه حتى إلى تناول طعام إفطاره.

في بداية العام الحالي قيل لي في اسطنبول إن السيد أربكان ليس سعيدا بأداء رئيس الحزب نعمان كورطولمش الذي زادت في عهده عضوية الحزب بنسبة 5%

واختار فريقا لمعاونته مستبعدا الذين رشحهم أربكان لهذه المهمة. الأمر الذي استشعر معه «الخوجة» أن نعمان خرج عن طوعه. وقيل وقتذاك إن «فاتح» الابن الأكبر للسيد أربكان يعتبر نفسه الوريث الطبيعي لأبيه في رئاسة الحزب. ولكن الأب خشى من اتساع نطاق التمرد إذا ترشح الابن، فقرر أن يرشح نفسه لاطمئنانه أن أحدا لن يستطيع منافسته في ذلك. وتم ترتيب الأمر، حيث أقصى نعمان كورطولمش وتم انتخاب أربكان رئيسا، بعدما جاء إلى مقر حزب السعادة محمولا على كرسي متحرك، وعرف بعد ذلك أن نعمان ومعه آخرون، اتجهوا إلى إنشاء حزب مستقل يمثل انشقاقا جديدا في حزب أربكان الأم.

في خطبته بعد انتخابه قال أربكان إن مصيدة الأعداء اختطفت أبناءنا، فانشق عنا توركوت أوزال (رئيس الجمهورية الأسبق)، كما انشق رجب طيب أردوغان (رئيس الوزراء الحالي). مضيفا أنه حان الوقت لكي يعرف الجميع الفرق بين الأصل والتقليد، إذ شتان بين الدمية والحقيقة.

ولا شك في أن خروج كورطولمش ومجموعته التي حاولت تجديد شباب الحزب يعد انشقاقا موجعا لحزب السعادة، سيسبب له خسارة فادحة في الانتخابات النيابية التي تجرى في العام المقبل، لأنه سيعاني الضعف الشديد جراء شيخوخة أربكان واستغراقه في ذاته وفي التاريخ، وانتهاء عمره الافتراضي كزعيم أدى دوره في مرحلة تجاوزتها الأحداث، لكنه لا يزال متعلقا بأهدابها،

وذلك جوهر الخطأ الذي وقع فيه أربكان، الذي حين اختزل الحزب في الزعيم، فإنه خسر الاثنين، إذ ضيع الحزب وما عاد قادرا على النهوض بمهام الزعامة.