فلسطين بين (التاريخ والواقع) قصة تختصر حياة الشعب الفلسطيني في مساحة زمنية في ستة عقود ونيف . في العقد الأول والثاني من بدء النكبة كان الخطاب الفلسطيني يتحدث عن فلسطين واحدة ، هي المساحة الجغرافية الممتدة بين البحر والنهر وبين رأس الناقورة وأم الرشراش . منذ عام 1988 م ، وفي ظل (منظمة التحرير) ، وقيادة حركة التحرير الوطني (فتح) صار الخطاب الفلسطيني يتحدث عن (فلسطين وفلسطين) . فلسطين الأولى هي (فلسطين التاريخية) التي احتلها الصهاينة في عام 1948م ، وفلسطين الثانية هي (فلسطين الواقع) أو الأرض التي احتلت في عام 1967م.
لقد نشأت (م.ت.ف) وحركة (فتح) من أجل تحرير فلسطين التاريخية وظلت لذلك حتى بعد هزيمة 1967م، إلى أن كان إعلان الدولة في الجزائر في عام 1988 حيث صار للشعب الفلسطيني وطنان الأول تاريخي والثاني واقعي ، والاثنان تحت الاحتلال الصهيوني والاختلاف الوحيد هو عام الاحتلال وعمره؟!
إنه ومنذ أن وقعت هذه القسمة تناسى القادة الوطن الأول وأسموه فلسطين التاريخية ، وبالأمس القريب وضع محمود عباس النقاط على الحروف لكي يطمئن الإسرائيليين قائلاً للإعلام العبري بالبنط العريض (نحن على استعداد للتخلي عن المطالب التاريخية وإنهاء الصراع حال التوصل إلى تسوية وقيام الدولة على حدود 1967).
عبارة السيد محمود عباس تتضمن شيئاً أكثر من النسيان ، لأن نسيان فلسطين التاريخية أرض الآباء والأجداد لا يعني نسيان المطالب الفلسطينية أو التخلي عنها ، لأن من أهم المطالب الفلسطينية عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم وتعويضهم بحسب القرار الأممي 194 ومدلول التخلي عن المطالب هو التخلي عن حق العودة والتعويض ، وهو أمر لا يملكه محمود عباس ولا تملكه (م.ت.ف)، لا يسبب انتهاء ولاية عباس ، وانتهاء ولاية اللجنة التنفيذية للمنظمة فحسب ، بل لأن حق العودة حق شخصي غير قابل للتصرف ، وتدعمه قوانين وقرارات دولية ، ومهما بلغت (إسرائيل) من القوة والسيطرة فإن حق العودة يبقى قائماً ، وهو حق للأجيال الفلسطينية ، فإذا كان هذا الجيل ضعيفاً بلا سند عربي أو إسلامي فغداً يأتي جيل قوي يستند إلى ظهر قوي بإذن الله.
لقد أعلنت مصر في عهد السادات انتهاء الصراع بعد أن استعادت تراب سيناء ، غير أن الذي انتهى هو الحرب المباشرة ، لأن حالة الصراع كامنة وتحت الرماد في النفس الصهيونية وفي النفس المصرية التي تراقب العدوان الإسرائيلي ، والاستعداد العسكري الصهيوني الذي يهدد مصر وغيرها من الدول العربية .
انتهاء الصراع لا يكون بتوقيع رئيس ، ولا إعلان في محفل أو فضائية ، الصراعات عادة تنتهي عندما تستعيد الشعوب المظلومة حقوقها ، أو حين تموت إرادتها وقوتها وتلفها المقابر ، والشعب الفلسطيني لم يمت ، ولم يستعد حقوقه ، وما زال شعباً شاباً فتياً يقبض على حقوقه بنواجذه ، لذا فلا قيمة لتصريحات عباس في هذا المجال .
