إيران قوة صاعدة ورثت حكومتها قوة من أكبر القوى في الشرق الأوسط عن نظام الشاه الذي كان يوصف بكلب حراسة المصالح الأمريكية في الخليج ، فأغدقت عليه أمريكا بالسلاح الفتاك، وعلى ذات المستوى الذي كانت (و لا تزال ) تغدق به على (إسرائيل) ، واشتهر نظام الشاه بقمع الحريات ، وفتح أبواب إيران أمام (إسرائيل) الذي دخلته و استوطنت في كل جانب من جوانب الحياة الإيرانية و تغلغلت فيه ، وكان "السافاك" هو الأخطر من بين أجهزة الأمن في المنطقة ، والذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالموساد والسي آي أيه ، كما ورثت قارة فيها من الكنوز والثروات والبترول ما يجعلها في مصاف الدول الكبرى لو استثمرتها وأقامت عليها صناعات ثقيلة ودقيقة، وهو الذي كان .
ومما يؤسف له أن هذه الثورة لم يتقبلها العرب بقبول حسن ، بل ناصبوها العداء ، فاشتبك معها نظام الراحل صدام في حرب ضروس لثماني سنوات ، فلذا وصفوها بالمجنونة ، ثم ضرب الغرب عليها حصارا لمجاهرتها بالعداء لإسرائيل ، و الذي برز بشكل جلي في طرد سفيرها، و تسليم سفارتها لدولة فلسطين، بعد أن رفعت على ساريتها العلم الفلسطيني ،ثم شكلت جيش القدس ، وهاهي ثلاثون سنة أو يزيد تمر منذ انتصار الثورة ،و إيران لا تخفي استراتيجيتها المعادية للوجود الإسرائيلي، فلقد دأبت قيادتها على الإعلان بأن مصير (إسرائيل) إلى زوال ، و هو ما صرح به نجاد جهارا نهارا و على سمع الدنيا و أمام بصرها في بنت جبيل في زيارته المتحدية للسياسة الأمريكية في المنطقة وللكيان الصهيوني.. تابعت زيارة نجاد إلى لبنان ، و تابعت تصريحاته و خطبه فوجدت فيه :
1. رجلا محنكا لديه حضور كبير ، و كاريزما فائقة ، استطاع أن يشد بها انتباه الدنيا وخاصة الكيان الصهيوني و أمريكا ، مما جعل أميرة ارون الناطقة الرسمية باسم خارجية الكيان تستشيط غضبا و هي تقول: إن السيطرة على الساحة اللبنانية هي لإيران ... قالتها ثلاثا !!! فلو كنت مكانه لاعتمدت السرية و الكتمان أكثر.
2. وبمتابعة خطابات نجاد رأيت فيه زعيما يجيد التهديد و الوعيد ، فتذركت به كثيرا من الزعماء الذين توفرت لهم نفس الخصال و السمات ، فحشدت لهم قوى البغي و الاستكبار كل طاقاتها ، فضربتهم ضربات موجعة قضت بها على معظمهم ، وأما الباقون فقد أضعفتهم أو كسرت شوكتهم ، و المتتبع للساحة العربية خلال السنوات الستين السابقة يستطيع أن يستحضر أكثر من مثال ، و ليس صدام عنا ببعيد !!! فلو كنت مكانه لكنت أقل حدة وأكثر عمومية فيما سأقول.
3. رأيت نجاد زعيما لا يبالي بالغدر رغم انه مستهدف ، و كنت أخشى أن يلحق بالمهاتما غاندي الذي طعنه أحد المدسوسين من الهندوس ، أو بجون كنيدي الذي وضعت رصاصة أوزوولد ( اليهودي ) حدا لحياته و هو – بعد – في ريعان الشباب ، بعد أن رأى فيه يهود أنه قد خرج عن المألوف من رؤساء أمريكا الذين نذروا حياتهم لدعم الكيان الصهيوني، فكانوا أكثر صهيونية منهم و لا يزالون إلا كنيدي ، الذي سمح لنفسه أن يقرأ خطابا لعبد الناصر يشرح له فيه مأساة الشعب الفلسطيني و قد وصف وعد بلفور بأنه الوعد الذي أعطى فيه من لا يملك ( أي بلفور )وطنا لمن لا يستحق ( أي اليهود) وعارض كيندي بعض السياسات الإسرائيلية فاستحق بموجبها الإعدام فأعدموه ، فلو كنت نجاد لكنت أبعد عن الانفعال خاصة؛ وأن الكثير من ( أوزوولد) هم على الأرض اللبنانية، وفي مختلف قطاعات الشعب اللبناني ( حسب الشبكات التي تضبط بين الفينة والأخرى، والمشكلة حتى من قيادات وزعامات وعسكر ،هي حريصة أشد الحرص على قتل ( نجاد ) بأمر من تل أبيب أو واشنطن.. وازدادت رغبتي في أن لا يركب سيارة مكشوفة تخترق الجماهير بسيرها البطيء إذ ذكرني بالأيام الخوالي للراحل عبد الناصر و ما آل إليه مشروعه.
4. تذكرت مقولة لصلاح خلف من بين ما كتب في كتابه الشهير ( فلسطيني بلا هوية ) معناها أن الإعلام العربي قد بالغ في التحدث عن قوة فتح و عملياتها ؛الأمر الذي دفع الصهيونية و من يدعمها إلى حشد قوة أشد مئات المرات من قوة فتح الحقيقية ، فبطشت بها سواء في عمان(1970) أو بيروت (1982) مما أسفر عن تمزيقها ، فساورتني الظنون في أن يعيد التاريخ نفسه، فلو كنت مكان نجاد لاختصرت كثيرا في الحديث عن قوة إيران و ممتلكاتها، واعتمدت خطابا يخلو من هذه اللغة الحادة ؛لتظل (إسرائيل) في رعب قاتل في انتظار الفعل الحاد.
5. أقول ذلك رغم إنني أتمنى زوال (إسرائيل) الآن قبل الغد، وغدا قبل بعد غد، وبعد غد قبل الذي يليه، وكل الشعب الفلسطيني يتمنى ما أتمنى.
6. أخيرا أتمنى أن أعرف سر ذلك الجهاز الذي أخبرنا عنه، وهو الذي لا تملكه إلا ست دول في العالم!!!!! فهل بكبسة زر سيمحو (إسرائيل) عن الوجود؟.. ياريت
