في السياسة يوجد ضوابط، ليست ذات طابع أخلاقي بالضرورة ، وإنما مبعثها جلب المصالح ودرء الخسائر السياسية ، ولا نقول المفاسد السياسية ، لأن السياسة إن خلت من المفسدة لا تكون سياسة في هذا الزمان. ربما يمكننا الحديث عن وجود محرمات في الإعلام السياسي ، وحينها يحرم على السياسي أن يجهر للإعلام بما يؤمن به مخافة مما قد يترتب من خسائر سياسية أو تفويت بعض المكاسب.
أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية السيد ياسر عبد ربه _على سبيل المثال _وقع بالأمس في محرمات الإعلام السياسي، فعبر عما يؤمن به بصراحة ، ولم يجد غضاضة في الاعتراف بيهودية الدولة ، ولكنه اشترط أن تكون حدودها معلومة، هاجت من حوله الدنيا وماجت واعترضت على تصريحاته فتح قبل حماس، وطالب الجميع بإنزال أقصى العقوبات في حقه وهو إقالته من منصبة في اللجنة التنفيذية أي إنه كاد أن يقام عليه الحد _السياسي طبعاً_ لولا أنه تراجع بشكل لم يسمح له الوقت بإخراجه بطريقة لبقة وكفاه الإحراج عواقب اختراقه للخطوط الحمراء مبكراً وقبل أن تنضج " الطبخة" وتتحول الخطوط الحمراء إلى خضراء حيث يكون العبور آمناً نوعاً ما.
مثال آخر فإننا نرى قادة بعض القوى السياسية في العالم تهش وتبش في وجه من خالفهم سياسيا وفكريا وأحيانا عقائديا رغم أن قلوبهم غير مطمئنة إليهم، ولكن السياسة تقتضي مثل تلك الأمور، ومن لم يستطع الانقياد للضوابط السياسية فلا يصلح للعمل السياسي بحده الأدنى، وهذا لا يعني إباحة الردة الفكرية والعقائدية واستباحة النفاق من واسع أبوابه،ولكن هناك حدود تحكم كل صاحب مبدأ وبناء عليه تتسع الحدود وتنحصر.
من الضروري بمكان أن نفهم رجال السياسة والقادة وكل من تعلق به أمرنا وقضيتنا،ولكن ليس من خلال تصريحاتهم وأقوالهم لأنها غالبا ما تكون مضللة، وإنما من خلال المبادئ التي يسيرون عليها وما يعتنقونه من أفكار، ولو أننا فعلنا ذلك لما أضعنا الوقت في تمجيد من أعجبنا قوله ودمرنا فعله، فالذين ينظرون إلى الأقوال دون الأفعال هم أشبه بالخراف التي تأكل العشب ولا تلتفت إلى الهاوية أمامها.


