حيرتنا بورصة السياسة في مصر، التي هي كل يوم في شأن،
فضلا عن أنها مسكونة بالأسرار والألغاز، وهو ما يسوغ لنا أن نقول إنه إذا كانت السياسة في بعض تعريفاتها هي فن الممكن، فإنها عندنا فن التمويه والتخفي. خذ مثلا ذلك اللغط المثار طوال السنتين الأخيرتين حول مستقبل النظام بعد الرئيس حسني مبارك، ذلك أنه منذ بزغ نجم جمال مبارك الابن، وصار أمينا للجنة السياسات في الحزب الحاكم، فإن الأصابع ظلت تشير إليه كوريث محتمل للسلطة، وعزز هذا الانطباع الأخبار التي راجت عن أدوار كبيرة يقوم بها في القرار السياسي، لكن تلك الشائعات كان يرد عليها رسميا بالنفي، رغم أن ما يراه الناس على أرض الواقع في هذا الصدد ظل متناقضا مع ذلك النفي.
في وقت لاحق قويت شائعات ترشح الابن لرئاسة الجمهورية، في حين ظل أهل النظام وأبواقه ينفون فكرة التوريث، لكن منهم من بدأ يقول إن الابن مواطن عادي، ومن حقه أن يترشح شأنه في ذلك شأن أي مواطن آخر. ولا ينبغي أن يبخس حقه لمجرد أنه ابن الرئيس. وفي الدفاع عن الفكرة قال هؤلاء إنه طالما باب التنافس مفتوحا، فلماذا لا يحتكم إلى الرأي العام في اختيار الرئيس الجديد.
في تلك الأثناء ظهر الدكتور محمد البرادعي على المسرح، وبدا واضحا من الحفاوة التي قوبل بها أنه يمكن أن يشكل بديلا تتجه إليه الأنظار في الترشح للرئاسة. حينذاك لاحظنا ان مؤشرات بورصة السياسة اتجهت إلى الهبوط، حيث هدأت بصورة نسبية حملة الحديث عن ترشيح جمال مبارك. وقرأنا لأحد قيادات الحزب الوطني قوله إن ترشيح أي شخص آخر في وجود الرئيس مبارك هو «قلة أدب» ولأن ذلك صدر بعد أن تداول كثيرون اسم جمال مبارك كمرشح آخر ممثل للرئاسة، إلا أن أحدا لم يخطر على باله أن يكون الغمز في قلة أدب المرشح الآخر موجها إلى الابن، ولكنه موجه بالأساس إلى الدكتور البرادعي. عززت ذلك الحملة الإعلامية التي شنت في الصحف القومية ضد الرجل، وتعمدت تجريحه والتهوين من شأنه والطعن في جدارته بالترشيح للمنصب.
حين هدأت حملة الدكتور البرادعي وتبين أن القلق من عودته كان مبالغا فيه، حيث كان كاشفا لمدى هشاشة الوضع القائم بأكثر منه دالا على قوة القادم من الخارج، حينذاك تجددت حملة الدعوة لترشيح جمال مبارك، وبدا أن هناك رياحا قوية تهب لدفع الأمور في ذلك الاتجاه. وفي هذه الأجواء سئل الرئيس مبارك من قبل أحد الصحفيين الألمان عن الرئيس القادم بعده، فأشار إلى السماء موحيا بأن الله وحده يعلم ذلك. وفي حين استمرت حملة تسويق مبارك الابن، صدرت أصوات تحاول الإمساك بالعصا من منتصفها، وذكرت أن الابن سيكون بديلا في حالة عدم ترشيح الأب للرئاسة. وهو ما أعطى انطباعا بأنه ليس معلوما بعد ما إذا كان الأب سيترشح أم لا. رغم أن إزالة ذلك الالتباس ميسور للغاية، بحكم الصلة العائلية على الأقل.
في وقت لاحق، خلال الأسابيع الأخيرة، ترددت أصوات أخرى ذكرت بوضوح أن الرئيس مبارك هو المرشح الوحيد للحزب الوطني للرئاسة القادمة، وكان آخر اثنين حسما المسألة بهذا الوضوح هما السيد صفوت الشريف، الأمين العام للحزب الوطني، والسيد أحمد أبوالغيط، وزير الخارجية، وهو ما أثار عدة تساؤلات منها مثلا: إذا كان الأمر محسوما هكذا، فلماذا ظل محاطا بالكتمان والسرية طوال الأشهر الماضية؟ وهل كان ترشيح جمال مبارك مقصودا رغم ما هو معروف عن تواضع شعبيته وتوجس البعض مما يمثله، بهدف إشاعة جو من القلق لاحتمال توليه المنصب، لكي تكون الحفاوة أكبر بإعلان ترشيح مبارك الأب باعتباره المخرج الأفضل والأكثر قبولا، وهي حالة نفسية تمرر مسألة شغله للمنصب لولاية سادسة؟ وهل هذا آخر كلام في الموضوع؟ فهمونا يا جماعة، إن لم يكن لكي يستريح بالنا، ونطمئن أو لا نطمئن على مستقبلنا، فعلى الأقل لتجنيبنا الإحراج أمام الأجانب الذين لا يكفون عن سؤالنا حول مستقبل البلد.
