من الأخطار المحدقة بالأسرة الفلسطينية التي تدمر العلاقة الزوجية ، وتورث العقد النفسية للأولاد، فبعض الآباء ، وخاصة أولئك الذين كانوا في مواقع يمارسون من خلالها القيادة بكل مظاهرها من أوامر و ( شخط ) وتوقيع عقاب أو تحقيق، الذي اعتاد من خلاله أن يكون الأقوى الذي ينتزع الاعترافات ولو بالقوة ، يمنح حريات ويمنعها ، مما يملؤه شعورا بالسيادة والفوقية ، التي عززها لجوء البعض إليه بالتوسل والرجاء لقضاء حوائجهم ! أو مساعدتهم أو إطلاق سراح ذويهم ... مما يعزز لديه ذاك الشعور الذي يتحول شيئا فشيئا إلى ( سادية ) يتلذذ بسببها في أن يرى الآخرين جاثين بين يديه، متوسلين وقد كبلهم الضعف ، متعلقين بشفتيه في انتظار –مهين- كلمة تخرج من بينهما تحقق لهم طلبهم .. وعلى هذه الحال تمضي الساعات فلا يشعر بها ، تغمره السعادة و يملؤه الشعور بتعاظم الذات ، سواء أكان مشغولا بهم ، آمراً ناهياً ، أو متشاغلاً عنهم ولو بلعب) الزهر ) أو ( الشدة) حتى إذا خرج عليهم تلبسه الإحساس بالتعالي، متضجراً زاجراً؛ ليبتز المزيد من التوسل والاستعطاف والمديح ...
وقد بنى لنفسه صرحاً من التميز، يجلس في قمته كإمبراطور ، وإذا ما عاد إلى بيته أخذ في سرد بطولاته واصفاً هوان الناس، ولا بأس من نادرة أو نكتة في جلسات هادئة قد يعرض فيها بعض الهدايا ( الرشوة( التي نالها من (عباد الله ) .. التي تضاعف دخله ، فيعيش مع أسرته حياة المترفين ؛ خاصة المراهقين والمراهقات من الأولاد ، الذين يلبسون أفخر الثياب وأحدث الموضات، ويتنقلون بأفخر السيارات بصحبة السائقين والمرافقين ... وهناك صنف آخر أقل إحساساً بالتميز والغرور كمدرس أو طبيب أو موظف بسيط، ولكن القاسم المشترك بينهم جميعاً هو قضاء ساعات من أوقاتهم في أماكن عملهم، وليس بالضرورة أن يكونوا في كد وجهد في أدائه، إلا الدوام الذي يكون كفيلاً بملء ساعات يومه بدلاً من الفراغ ، وفي نهاية الشهر يتقاضى راتبه ، دون قلق من تقرير أو وشاية
تعصف به...
وأما اليوم ، وقد وقعت هذه القطيعة النكدة التي ولدت ذلك المصطلح الأنكد ( الاستنكاف ) فقد جلس الصنفان في البيوت ، وضيع امتيازات الفريق الأول ، فلا سيادة ولا فوقية ولا هدايا ولا أوامر ولا (شخط) ولا استعطاف ، ولا ... وحل محل ذلك إحساس بالخوف من أي طارق على بابه؛ خشية أن يكون استدعاء، وإذا ما خرج إلى الشارع فلا يرى في نظرات الناس إلا الشماتة ، وإذا رأى اثنين يتبادلان الحديث فإنهما يتحدثان عنه، أو يتآمران به ، وإذا رأى واحداً من ضحاياه تحير أين يوجه نظراته ، فإذا التقت عيناه بعينيه اضطرب ، أيطرح عليه السلام؛ فيظن الآخر أنه يخافه أو ينافقه ، وإذا امتنع؛ فيظن أنه لا يزال يضمر له الحقد فيبادر بإهانته !!! وإن هي إلا دقائق حتى يرجع إلى بيته وقد امتلأ بالضجر والملل ، والشعور بضيق الأرض والشوارع والأسواق؛ حتى تكاد تطبق على صدره.
فيثور في وجه زوجته لأقل الأسباب ، ويشعل السيجارة من أختها ، ولا يطيق صوت طفل ولا حركته ، يغلق على نفسه باب غرفته، والويل كل الويل لمن طلب منه شيكلاً أو دفتراً أو كتاباً أو كسوةً ، والويل كل الويل لمن ضحك بين يديه أو بكى ، والويل كل الويل لزوجته إن شفعت لصغير قد أذنب فأخذ في عقابه .. والويل لها إن اتخذت موقف الحياد .. الويل للأولاد إن التفوا حول أمهم ، والويل لهم
إن غاب أحدهم عن البيت ، والويل له إن لم يغب عن ( وجهه ( ، الوقت بطيء ثقيل طاحن ، لا تمضي ساعاته أبدا ، ينام حتى لا يفيق ، ويفيق حتى يجافيه النوم ، يسمع عن المئات الذين قطعت رواتبهم، لأنهم جاملوا فلانا من (الانقلابيين)، ولو بطرح السلام ، فتستولي عليه الهواجس والظنون السوداء بالآخرين ..
فيفقد ثقته بالناس ، فكلهم في نظره أشرار، لا يؤمن لهم جانب ، فيضرب على نفسه عزلة ، يحاول أن يهرب منها، فلا يجد إلا الغث ، والمسلي منه .. إذن؛ إلى المواقع الإباحية التي تستنزف طاقته وعقله ، وتقتل ضميره أو الباقي منه ، بما ينعكس بالدمار على زوجته وأولاده ،فيفرض عليهم حياة من الرعب والقلق ، بما يولد شعوراً بالكراهية والأحقاد والرغبات الجامحة بالخلاص ولو بالهروب أو الانتحار ، وإذا ما اكتشف الأولاد – وغالباً ما يكتشفون – ما يغرق أبوهم فيه نفسه من الإباحيات ؛ احتقروه في داخلهم ، وأخذوا يمارسون فعله حتى الإدمان ، مما قد يؤدي إلى الانحراف والشذوذ، واقتراف جرائم زنا المحارم ... إلى جانب تراجع الكلمات المؤدبة أمام الكلمات النابية الوقحة والنكات البذيئة ، ويتجرأ الجميع على الملابس الخلاعية ، هذا إذا انهزمت الأم، وفقدت ثقتها بنفسها ،وضاع منها دورها ، فأخذت تجاري ذلك الزوج المنكود وتسترضيه ، وهنا قاع الهاوية ... !! مما يستدعي سؤالاً : ألم يخطر ببال الآمر بالاستنكاف كل ذلك ، وهو يتخذ القرار؟ أم هي الرعونة والارتجالية والمراهقة الفكرية ، والانصياع لإملاءات شياطين الصهاينة، الذين يدركون ما ستؤول إليه أحوال بعض المستنكفين ؟ وسؤالاً آخر : أليس هناك من سبيل لإنقاذ هؤلاء خاصة من كان منهم في أول الطريق ؟ أرى أن من واجبات الحكومة ومؤسساتها أن تبحث عن حلول ، وتعقد لذلك ورشات عمل ، يقوم عليها المختصون؛ وخاصة علماء النفس والاجتماع...


