الخميس 01 يناير 2026 الساعة 09:14 م

مقالات وآراء

أريد وظيفة ولكن بلا استثناء

حجم الخط

مما أحفظ عن الدكتور محمد صقر، وهو من الشخصيات المعدودة عالمياً في الاقتصاد الإسلامي والإدارة, أقول: أحفظ عنه, إلغاء الاستثناء في الجامعة الإسلامية, وقد كان سداحاً مداحاً في عهد سلفه, حيث لا معايير محترمة في قبول الطلاب الجدد, أو التوظيف أو حتى إسناد المناصب, فقد كان يدخل –بالاستثناء- من حصل على أدنى من الحد الأدنى لمعدل درجات القبول...

 

وهكذا في التوظيف وخلافه, فوجد الرجل ذلك فأغلق بابه بالكلية, فلم يعد لعضو مجلس الأمناء من امتياز يتمكن من خلاله أن يدخل الجامعة من لا تتوفر له شروط القبول, فأفسح -بذلك- المجال لمن توفرت له الشروط ولا واسطة له, وقال: إن الأمة التي تحترم قوانينها ولوائحها ودساتيرها هي الأمة التي تأخذ بأسباب الرقي والحضارة, على أن تكون تلك القوانين نزيهة وحيادية فلا تحابي أحداً, ولا فضل فيها لأحد على آخر..

 

وطلب يومها إلى عميد شئون الطلاب أن يلتزم معايير القبول بلا ميل أو حيف, فالتزم, كما التزم من بعده حتى يومنا؛ مما قطع الطريق أمام كل طامع في أن يكون له مكان وهو غير مؤهل لأن يشغله, كما قطع الطريق أمام كل طامح لوظيفة وهو ليس لها بأهل, وعزز الاحترام والهيبة للجان التوظيف...

 

وأكد على الانضباط والالتزام العاليين بمواد القانون ذات العلاقة, وقال قولته (إن فلاناً – يعني سلفه – أراد أن يبني لكم دولة الأذنة) فقد كان يغلق الباب في وجه المؤهلين أكاديمياً من الإسلاميين, وفتحه -على مصاريعه- لغيرهم, بينما يفتحه -على مصاريعه أيضاً- للراغبين من الإسلاميين في العمل في ميدان الخدمات والحراسات... ففتحه أمام الجميع, ليتنافسوا تنافساً شريفاً.

 

أستذكر ذلك لأذكٍّر بأن شغل أي وظيفة يجب أن تكون من نصيب من توفرت له شروطها ومتطلباتها, بعد اختبارات وتنافسات بين طالبيها, وقد توفرت لهم الفرص المتكافئة, وخضعوا جميعاً لذات المقاييس والمعايير؛ وهو ما يمكن استنباطه من الآية الكريمة ( ليحيي من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة) ويجب أن يتعزز لدى صانع القرار أن باب الاستثناء مغلق وإلى الأبد, على أن يكون أول من يلتزم به؛ حتى لا توغر صدور المؤهلين الذين أخرهم الاستثناء عمن قدمهم, وعلى من كان سبباً فيه..

 

ولا يجوز قانوناً ولا شرعاً أن يوسد الأمر لمن يجيد الوصول أو التقافز أو المجاملة, ويحرم منها الأكفأ, غير الوصولي, ومن لا يجيد التقافز, وأستطيع أن أقول: إن كان في طلب الاستثناء حرمة, فقد وقع صانع القرار في حرمة أشد !!لأنه بفعله يكون قد ظلم مرتين, أما الأولى: فقد أسند الأمر لمتسلق وصولي ولا كفاءة له إلا التزلف والنفاق؛ أي الرشوة المعنوية التي لا يقل ضررها عن الرشوة المادية إن لم تكن أقبح أثراً وأسوأ عاقبة, وأما الثانية: فقد ظلم ذا الكفاءة !!!

 

فإذا ما تعززت النزاهة وذهب (الاستثناء) إلى غير ما رجعة من حياتنا وأصبحت ثقافة, فإن لذلك أعظم الأثر في تعزيز الثقة بالقائمين على الأمر فلا يتطرق إليهم الشك, وبالنظام ونزاهته, وقطع ألسنة السوء التي احترفت أن تسلق القائمين ونظامهم بحدة دونها ضرب السيوف أو الخناجر !!

 

وإذا صح هذا في شغل الوظائف فهو صحيح في الترقيات أيضاً, إذ لا يجوز قانوناً ولا شرعاً ولا عرفاً أن يرتقي موظف خامل درجة لأنه يجيد اللعب والتزلف والنفاق، أو لأنه (ابن الأكرمين), بينما موظف آخر لا يجيد ذلك, تمضي عليه السنوات ولا يلتفت إليه أحد, فإن لم يكن هذا هو الحرام, فما الحرام إذن ؟ وإن لم يكن هذا هو المعول الذي يهدم الانتماء ويقبض روح الهمة والإتقان, فما المعول إذن؟ لا أتصور ارتقاءً يحققه من جاء (استثناءً) أبداً... وينبغي أن تكون الكفاءة والأهلية هي مركب الوصول, لا (المعرفة) ولا (عشان خاطري) ولا (ابن فلان أو علان...)

 

رأيت عقيداً في أواخر التسعينيات لا يحمل الرابعة الابتدائية, وقد شغل منصب مدير شرطة (...) !!!فلا أدار الشرطة ولا أصلح من أمر البلد, وكم أهدر من الحقوق وأضاع من المصالح, التي لو تولاها القوي الأمين لكان فيها خير كثير... ولقد عملت في وكالة الغوث خمس عشرة سنة, فما تأخرت علاوتي السنوية ولا درجتي عما نص عليه القانون, ولم أضطر لحظة ولا غيري أن يذكّر بها المسئولين ولا أن يطلبها, بل تأتي في ميعادها, وقد تأتي في غفلة من صاحبها عنها...

 

فتعززت -في نفسي وفي نفوس العاملين- الثقة المطلقة بالإدارة والمدير!!! وحتى لا يتكاثر جيش العاطلين من ذوي الكفاءات, ويحتلها ال (......) فليخضع الجميع إلى القانون بلا استثنااااااااااااااااااااااااااااااااااء.