بعد أن بانت الصورة واضحة أمام الأعمى ومن لا بصيرة له حول النوايا الإسرائيلية الحقيقية من المفاوضات المباشرة التي جاز العرب فيها لمحمود عباس وحركة فتح الدخول فيها رغم الرفض الفلسطيني لها، وبعد كشف النوايا الحقيقية لنتنياهو من اتخاذه المفاوضات ستاراً لتمرير مزيد من الوقت من أجل إنهاء مشروعه الاستيطاني والتهويدي للقدس والضفة والذي سيحول دون قيام دولة فلسطينية بالمفهوم العباسي والعربي إلى جانب دولة (إسرائيل) اليهودية بالمفهوم الإسرائيلي الأمريكي، فهل الغشاوة انكشفت عن عيون وبصيرة النظام العربي الرسمي الذي أباح الزنا لمن لا يملك مالا، ووافق لعباس على الولوج في جريمة المفاوضات المباشرة؟
هل سيقف العرب بعد أن ألقى عباس الكرة في ملعبهم موقفاً مسؤولاً ويتخذون القرار السليم والواجب أن يتخذ لحفظ الحقوق الفلسطينية وتخليص القضية من براثن المشاريع الأمريكية الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية لصالح المشروع الصهيوني وعلى حساب الحقوق الفلسطينية التاريخية والدينية والإنسانية، ويتراجعون عن خطيئتهم التي ارتكبوها في المرة الأخيرة، ولا ينخدعون بالتضليل الأمريكي ولا يستجيبون للتهديدات الأمريكية، وأن يدركوا حجم قوتهم وإمكانية التصدي لنزوات أمريكا وأهدافها الضارة بالمصالح العربية وعلى رأسها المصالح الفلسطينية؟
الموقف العربي الآن مطالب بضرورة أن يتخذ قراراً يوقف فيه التدهور الحادث في موقف المفاوض الفلسطيني ويرده إلى جادة الصواب بما ينسجم مع مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه، وأن يتوقف الموقف العربي عن المراهقة التي بدت عليه في الفترة الأخيرة وتساوقه مع الرغبات الأمريكية حفاظاً على المصالح الإسرائيلية، وفي نهاية المطاف يصب ضد المصلحة العربية- الفلسطينية.
الشارع الفلسطيني ينتظر الآن الموقف العربي بعد أن تيقن أن محمود عباس رهن موقفه على الموقف العربي، لعدم قدرته على تحمل تبعات أن يكون القرار فلسطينياً، أو لكونه يرى أن الموقف العربي لن يكون مخالفاً لرغباته ورغبات الموقف الأمريكي المؤيد للبقاء في المفاوضات في ظل استمرار الاستيطان، وفي ظل الحلول الخلاقة التي حملها معه المبعوث الأمريكي للمنطقة جورج ميتشل والذي يهدف من خلالها إلى إنقاذ عملية التفاوض.
الحلول الخلاقة يا عرب التي حملها ميتشل هي حلول خداعة، وهي خدمة مجانية لـ(إسرائيل) ورغم كل المغريات التي حملها ميتشل لـ(إسرائيل) إلا أنه فشل في إقناع نتنياهو للعدول عن موقفه، فقد حمل المن والسلوى وحمل السلاح والمال والدعم السياسي مقابل وقف لمدة شهرين أو تجميد للاستيطان، رفض نتنياهو لأنه يعلم أن حكومة الاستيطان والتوسع التي يقودها ستنهار.
ميتشل هذا الذي لا يحمل إلا الخيبة منذ أن حل في فلسطين، حمل تهديدات واضحة للجانب الفلسطيني وعرضها على محمود عباس ، ويبدو أن عباس أراد أن لا يتحمل هذه الضغوطات لوحده ويرغب بمشاركة أطراف عربية يمكنها أن تحمل معه رجس الموافقة على الاستمرار في المفاوضات المباشرة رغم الموقف الإسرائيلي في الاستمرار في الاستيطان، وحتى يبرر عباس الموافقة بأنها رغبة عربية.
ونتمنى فيما تبقى من أيام، وخاصة ونحن نتابع اجتماع اللجنة التنفيذية ورفضها الدخول في المفاوضات المباشرة في ظل الاستمرار ، قبل موعد انعقاد العرب لبحث موضوع المفاوضات المباشرة، أن يذهب محمود عباس إلى الاجتماع متسلحاً بالموقف الفلسطيني أولاً ، من خلال العودة إلى الشعب الفلسطيني وقواه المختلفة ولا يكفي لقاء التنفيذية والمركزية لأنهم جزء من الشعب الفلسطيني وليس كل الشعب الفلسطيني، وعلى عباس أن يكسر الحاجز مع حماس والجهاد والشعبية وبقية القوى التي تمثل غالبية الشعب الفلسطيني، والتي تؤكد موقفها الرافض لهذه المفاوضات سواء الموقف المبدئي للبعض، أو الموقف التكتيكي، ولكن في ظل الوضع القائم الموقف الفلسطيني موحد وهو رفض مثل هذه المفاوضات، وعندها لا يمكن للعرب أن يتخذوا موقفاً مخالفاً لموقف الشعب الفلسطيني.
أما إذا كان عباس يريد أن يذهب إلى الاجتماع في السادس من الشهر الجاري ليحصل على ضوء أخضر عربي لمواصلة المفاوضات كما كان يحدث في كل مرة، فنعتقد أن هذه المرة الأمور ستخرج من يديه وقد تكون ردات الفعل الفلسطينية غير متوقعة، لأن الفلسطينيين المتشكك منهم خاصة سيتيقن أن عباس لم يعد يمثل إلا نفسه وقد يقدم بشكل صارخ لقلب الطاولة على رؤوس الجميع.

