الرجوع إلى الحق فضيلة . قد يخطئ الرجل بعد انتهاء العصمة ثم يعود عن خطئه حين ينبه إلى ذلك، أو حين يتبينه هو بنفسه ، عندها نقول الرجوع إلى الحق فضيلة تستحق الثناء والاحترام . لكن إذا أخطأ الرجل ، ثم نبه إلى خطئه ، فتمادى ولم يعد إلى الحق فإن خطأه يصير خطيئة تستوجب شيئاً فوق التنبيه ، وتلكم طبيعة الأمور ، وهي لا تقبل التمييز بين سيد وعبد ، أو بين رئيس ورعية .
لقد أخطأت سلطة السيد محمود عباس في التأجيل الأول ـ قبل سنة تقريباً ـ لتقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان ، ويومها ثارت ثائرة الشعب والمتضررين من الحرب على غزة وأيد ثورتهم كثير من الساسة والخبراء والعرب ومؤسسات حقوق الإنسان ، وتنصلت من الموقف دول عربية ، وفصائل (م.ت.ف) وشخصيات من فتح ، وتمت محاصرة السيد محمود عباس ودفعه إلى طلب عقد جلسة غير عادية لمجلس حقوق الإنسان التي أقرت التقرير، ورفعته إلى الأمين العام للأمم المتحدة .
حين تم الاستدراك والرجوع إلى الحق قلنا فضيلة وعودة طيبة ، غير أن (حليمة عادت إلى عادتها القديمة ) ، ففي 30/9/2010 انعقد مجلس حقوق الإنسان ليدرس تقرير غولدستون وغيره من الموضوعات، ورفعه إلى مجلس الأمن أو محكمة الجنايات الدولية ، غير أن مندوب سلطة عباس في المجلس طلب تأجيل النقاش لستة أشهر إضافية.
تم التأجيل، ويقول المطلعون إن التأجيل كان استجابة لأوامر صادرة من إدارة البيت الأبيض ، التأجيل تم في الباطن تحت التهديد والابتزاز ، وفي الظاهر لخدمة عملية التفاوض ، وحتى لا تحدث ردود أفعال سيئة من حكومة (إسرائيل) ، كان الطريق الأقصر للوصول إلى هذه النتيجة هو الطلب المباشر من عباس ليقوم بالواجب ؟!
الهدف الرئيس للإدارة الأمريكية هو هدم تقرير غولدستون وتمكين (إسرائيل) من الإفلات من العقاب ، والحجة المستخدمة خدمة المفاوضات التي تحولت إلى وهم بعد موقف نتنياهو من الاستيطان ، وبعد تصريحات ليبرمان في الجمعية العامة للأمم المتحدة .
السؤال الكبير الذي نطرحه على سلطة محمود عباس هو لمصلحة مَنْ مقايضة الوهم بالحق ، مع الأخذ بالحسبان أنه حق للمواطنين المتضررين قبل أن يكون حقاً لمقام السلطة الرفيع ؟!
التأجيل الأول كان خطأ ، والتأجيل الثاني هذا هو الخطيئة بعينها ، وهو أمر مؤسف لأنه لا يلبي مصالح الشعب ولا مصالح المتضررين ، ويمنح (إسرائيل) وقتاً إضافياً للإفلات من العقاب ، وكان الأجدر أن يكون تمرير التقرير إلى مجلس الأمن شرطاً للمفاوضات ، لأنه حقوق عباد وبلاد ، وشهداء وجرحى ومتضررون.
ثم لماذا نريد معركة داخلية حول الحقوق والواجبات ، والأصل والفرع وأصل المعركة الحقوقية بين فلسطين والاحتلال ، وليس بين الضفة وغزة أو بين فتح وحماس ، وبالرغم من الإساءات البالغة لغزة التي نسبها عيسى أبو شرار في تقريره المقدم للأمين العام للأمم المتحدة ، وهي إساءات تقوم على دوافع سياسية بينة ومسكونة بكراهية مسبقة لحركة حماس ، وكأن حقوق المتضررين تخص حماس ولا تخص شعباً تحمَّل الضرر الأكبر منه القطاع المدني الذي لا علاقة له بالسياسة ولا بالانقسام.

