الأحد 04 يناير 2026 الساعة 05:46 م

مقالات وآراء

إنهم يضحكون !!

حجم الخط

وقف الناس مذهولين وسط الميدان ينظرون إلى بعضهم البعض، وأخذوا يشيرون بأصابع أيديهم، انظروا.. انظروا.. إنهم يضحكون، التفت إلى ما يشيرون إليه وإذا هما رجلان يقفان في شرفة مقهى على الدور الثاني يضحكون بشكل لفت الانتباه.

 

سؤال الناس هو لماذا يضحك هؤلاء، هل يضحكون على الناس، أم يضحكون على أنفسهم، والناس أخذوا ينظرون حولهم ، هل هناك ما يستدعي الضحك؟ فلم يجدوا ما يفسر ضحكات الرجلين، الجو كان حارا جدا، والكآبة على وجوه الناس مرتسمة من كثرة ما بهم من هموم، ومن حولهم على بعد مسافات دماء وآهات ودموع، صرخات تعلو حينا وتخفت حينا، والأسباب متعددة، هناك ولد يصرخ أين أبي؟ أين أخذوه؟ هل سيعود؟ يلف ويدور حول نفسه، تارة يضرب الأرض وأخرى يدق الجدران في رأسه، وثالثة يصرخ على أمه قائلا : أين أبي؟ أين أخذوه؟.

 

صمتت الأم، ارتبكت، التفتت حولها ، وتمتمت بكلمات لم يسمعها طفلها، فاشطاط غضبا، صرخ كالمجنون أين أبي؟ بالله عليك يا أمي أين أخذوه؟ وماذا سيفعلون به؟ وهل سيعود؟ دارت كالمجنونة، ماذا تقول ومن أخذه شقيق أو ابن عم، أو جار صديق ؟!، قالت إلى سجن الخليل، لا.. لا ، إلى بيتونيا، لا..لا، إلى أريحا، نظر طفلها بجنون، صوريف قريبة من الخليل، وبيتونيا كان فيها البرغوثي، وأريحا أخذوا منها سعدات..

 

ماما ماما، قالها وكادت تخرج عيناه من وجهه، ورمى نفسه في حضن أمه، هل أبي سيأخذه اليهود من هناك؟ بكت بصمت وخشوع، وصمت طفلها، وشعر بقطرات تتساقط على وجهه، وقال : ماما ماما الدنيا (مطرت)، ونظر إلى أعلى وإذا بدموع تنهمر من عيني والدته، وأخذا يبكيان معا.

 

على ماذا تضحكون؟ سألت من كانت في الحضور، الماظة، أتعلمون من هي الماظة؟، هذه الفتاة التي فقدت أهلها في المحرقة الأخيرة على غزة عندما كان بيتها ضمن بنك الأهداف الذي كان بحوزة يهود، على ماذا تضحكون تقول، وهي تنظر إلى أعلى حتى كادت رقبتها تنخلع عن جسدها وبح صوتها وهي تصرخ ، أعلينا تضحكون، أم على دماء شهدائنا الألف وخمسمائة الذين سقطوا بفعل التعاون الأمني الذي كان قائما ولازال، مالكم تضحكون؟!

 

على المرضى الذين استشهدوا نتيجة هذا الحصار المفروض بأيدي بعض من يضحكون، وأيدي يهود، هذا الظلام الذي نعيش أتضحكون عليه؟! ألا تدرون يا سادة يا أيها الضاحكون، علينا أو على أنفسكم، لا أدري وإن كنت أدري أكثر مما تدرون، إنني درست على شمعة، وأفطرت في رمضان على شمعة..

 

هل تعرفون ماذا يعني أن طفلة تعيش محاصرة، وتعيش في ظلام وشريط الذكريات ووالدي ووالدتي يموتان بين يدي، ويدي تلملم الدماء والأخرى تخيط الجرح لربما تقف الجروح عن نزفها للدماء التي سبحت بها حتى كدت اغرق وأنا أنتقل بين أبي وأمي وأخي وأختي وعمي وجدي وبقية أهلي الثلاثين.

 

آه يا من تضحكون وأنتم تمرون على أشلائي ودماء أهلي وشعبي، نريد أن نضحك مثلكم، نريد أن نرى ما يضحككم، نريد أن نعود نحتضن بعضنا ونلعب تحت الأضواء وفي الطرقات، لا يوقفنا حاجز آثار الموت فيه باقية، لا نريد أن نعود حتى يُرمى من تبقى من أهلنا عن أبراج فلسطين، كما فعل بجارنا (أبو قينص)، لا نريد أن نصحو على إطلاق النار، واقتحام البيوت، نريد أن نسمع في الصباح والمساء شقشقة العصافير.

 

آه يا من تضحكون، ما نسمع وما نرى لا يضحكنا، ما نسمع وما نرى يخيفنا رغم ضحكاتكم، هل سنضحك مثلكم، أم أنكم ستضحكون حتى تسلبونا الضحكات، ولكن نقول لكم لن نبكي على سلبكم، لأنه ما عاد هناك ما يبرر الضحك.