الخميس 01 يناير 2026 الساعة 09:18 م

مقالات وآراء

اليوم 28/9 هو ذكرى وفاة عبد الناصر

حجم الخط

جمال عبد الناصر... اسم ملأ سمع الدنيا وبصرها منذ أن لمع في سمائها, بعد أن قاد ثورة 23 يوليو التي أنهت حكم عائلة محمد علي, التي شغلت الدنيا منذ أن اعتلى عميدها ومؤسسها ذاك الرجل الألباني عرش مصر, بعد أن قضى على من سبقه من الحكام الذين كانوا مماليك في مذبحة القلعة الشهيرة..

 

ويحسب لمحمد علي محاولاته إلحاق مصر بالعصر الذي تعيشه, فأرسل البعثات لتحصيل العلوم من أوروبا, وأسس الجامعات و بنى جيشاً قوياً قوامه الأسطول الذي حمل جنده إلى بلاد الشام؛ طامحاً فيما وراءها, وعنيت الأسرة بالزراعة واستغلال مياه النيل على أسس علمية, فكانت القناطر الخيرية وخزان أسوان, وجعل محمد علي من نفسه نداً للسلطان العثماني الذي لم يزُل ظله عن سماء مصر, وإن حرص حاكمها على أن يجعل من ذلك الظل باهتاً..

 

وكانت مصر- دائماً ولا تزال- محط أنظار قوى الاستعمار, كما كانت – دائماً- الصخرة المنيعة القوية التي تتحطم عليها موجات الطامعين الطغاة؛ من فرنسيس أو انجليز, ولكن عندما جاء من أولاده من استعبد شعب مصر, واستذلهم وهنت الصخرة فوقعت تحت الانتداب البريطاني...

 

بعد معركة التل الكبير الشرسة التي قادها ضد الغزاة أحد أبنائها البواسل (أحمد عرابي) الذي امتلأ إباءً وشموخاً حتى مشاشته, فرفع رأسه في وجه الخديوي توفيق صارخاً (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!) تلك الصرخة التي خرجت من فم عمر بن الخطاب, ورددت صداها جنبات الكون وزمانه...

 

ولكن قوى البغي والاستكبار والخيانة أطفأت الشعلة التي أوقدها, فوجهوا له تهمة الخيانة العظمى, ليطرد من مصر, فيعيش حياة البؤس والهوان, وهدت الغربة من قواه, وانفض من حوله الصديق والرفيق, وعضه الجوع بنابه, وأخنى عليه الدهر, وذهب عرابي ليأتي من بعده مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول... وغيرهم ممن حرصوا على التخلص من التبعية والفساد والذل والخيانة...

 

بينما كان أبناء محمد علي يتقاطرون على الحكم, وكان إسماعيل أكثرهم شهرة بعد المؤسس, فقد ارتبط اسمه بقناة السويس وبحياة البذخ والفجور التي كان يحياها, مما أثقل كاهل مصر بالديون التي كسرت ظهرها, وجعل من أبنائها عمالاً بالسخرة, فشقوا القناة بسواعدهم الواهنة, وأجسادهم العارية تلهبهم سياط (السادة) وتشويها شمس حارقة مقابل طعام وشراب تعف عنه الديدان؛ فهلك الآلاف, واستوطنت الأمراض الفاتكة أجساد الآلاف...

 

بينما الباشوات والخونة في ترف وبذخ دونه حياة القصور في أوروبا شرقها وغربها, أو قصور الأباطرة, في هذه الأجواء كان مجيء عبد الناصر فأكمل دور عرابي, فطرد الملك فاروق, وأمم القناة, ونادى بحياة نيابية سليمة, وحكم ديمقراطي, وطمح إلى بناء جيش قوي, وعقد العزم على القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال, ورفع شعار (ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد).. مما أيقظ روح الأمل بحياة كريمة طال انتظارها..

 

وإن هي سنة فالثانية حتى امتلأت سجونه بمعارضيه وخاصة الإخوان, وعلق أجسادهم على أعواد المشانق بالعشرات, وذاع صيت السجن الحربي الذي عز نظيره حتى في سجون محاكم التفتيش, في سبيل بناء مصر وإلحاقها بركب العصر وحضارته ومدنيته!!!

 

ونجح في كسر احتكار السلاح, وقال (لا) بالصوت المليان للاستعمار والصهيونية والرجعية, ولم تمض إلا سنوات أربع ومعها أربعة أشهر حتى شنت عليه ثلاث دول عدواناً طاحناً, فحقق عليها نصراً سياسياً هائلاً, انحاز على إثره بالكلية إلى المعسكر الشيوعي, كما نجح في بناء السد العالي الذي أنقذ مصر من الهلاك ظمأً أو غرقاً, كما طرد عنها الظلام, ونجح بوضع قدم مصر على أول طريق الصناعة...

 

ولكنه حبس عقول أبنائها في فلسفة الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي), ونجح في إنهاء الانتداب البريطاني بعقد اتفاقية الجلاء, كما نجح في مناصرة حركات التحرر ودعمها في آسيا وإفريقيا ومنها شعبنا, ولكنه أغلق النوافذ وكمم الأفواه, واعتقل الأقلام وأطاح بهامات وأدمغة احتلت في ميدان الفكر والإبداع أسمى الرتب..

 

واحتشد من حوله المنتفعون الذين أفسدوا الجيش والتعليم والأخلاق وصادروا الحريات, فحاقت به وبهم الهزيمة النكراء, وبهزيمتهم انهزم مشروع تبناه عبد الناصر وأعطاه كل اهتمامه وسخر له كل طاقات مصر... نعم , لقد انهزم مشروع القومية العربية الذي طالما كان حلماً راود الملايين, وداعب أفئدتهم وعقولهم بالخلاص من (إسرائيل) وممن يؤيدها, وليكون للعرب كيان تحت الشمس, يأخذ بأسباب القوة والسيادة... فكان اليأس والإحباط والأحزان, إلا أنه حاول أن ينهض من جديد...

 

ولكن هول الهزيمة قد كان صاعقاً وضاغطاً على قلبه وعقله, حاول أن ينهض ولم يرضخ فرفع شعاره (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) فقاد حرب الاستنزاف ضد الصهاينة, الذين يحتلون جزءاً عزيزاً من أرض مصر, ويدنسون مياه القناة بغسل أقدامهم فيها على مسمع ومرأى من الشعب المصري الأبي, الذي استجاب لندائه وشعاره وعزمه, فهتف من ورائه (حنحارب.. حنحارب.. كل الناس حتحارب)...

 

ولم يبال بتدمير مدن القناة, بل استبسل هذا الشعب الوفي.. حتى كان أيلول الأسود سنة 70 الذي شهد ذبح الإنسان الفلسطيني وثورته الواعدة في الأردن, فأجهد عبد الناصر قلبه وجسده حتى انتهت المذبحة تلك النهاية المأساوية... فمات جمال في مثل هذا اليوم وفي آخر دقائقه ... وهو بعد في الثانية والخمسين, ليترك من ورائه تاريخاً متلاطماً كأمواج البحر, لا تكاد تنساب أو تتوحد...

 

فكثيرة هي الصفحات التي تمجد فيه وتفخر به ولا تحصى مآثره, وكثيرة هي التي تضعه في صفوف الحكام الطغاة المتجبرين المستبدين الذين أذلوا شعوبهم وفي الحالين فإن في حياة عبد الناصر عبرةً وتاريخاً من الأحرى أن يعتبر بهما كل من يريد الخلاص.