وصف أحد المراقبين المفاوضات بطحن الهواء ، وأرى أن هذا صحيح في الجانب الفلسطيني ، أما في الإسرائيلي فليس كذلك !! و حتى لا نذهب بعيداً ، فإن أربعة أشهر من المفاوضات غير المباشرة لم تقدم شيئا للفلسطيني بل سلبته شروطه ، و عناصر لو استغلت بشكل منطقي لكانت عناصر قوة ، و أعني بها المقاومة بكل أبعادها و أهدافها و آلياتها حتى السلمية منها، و في كل مجالات الحياة الفلسطينية ، كما سلبته وحدة الموقف بعد التسليم أن (م.ت.ف) هي المؤسسة التي تضم حوالي نصف الشعب الفلسطيني.
إلا أن جولات التفاوض المتعاقبة قد مثلت الإسفين الذي دُق في عمود هذه الخيمة ففسخه ، بل دفنها ، هذا إلى جانب تكريس السلوك اللاأخلاقي و غير القانوني الذي تمارسه أجهزة الأمن الفلسطيني ؛ من مصادرة الحريات و إرعاب ، و تدمير كل ما يمت إلى المعارضة و مشروعها و مؤسساتها ، و ملاحقة المقاومة و كسر ظهرها ، و الزج بأنصارها في زنازين (بيريا) أو ( إيفان الرهيب ) و بعد كل هذا يعود المفاوض –راغماً- إلى نقطة الصفر ؛ من بحث الأجندات و هل تحتل الحدود الأولوية أم الأمن ؟ و متى سيتناول المفاوضون المستوطنات ؟و هل القدس على الأجندة أم شطبت للأبد؟ تلك القصة الطويلة الطويلة منذ عهد أولمرت، و أما في الجانب الإسرائيلي فإن الأمر يختلف ؛ فلقد حقق نتنياهو كل ما يريد.
إذ أضعف الموقف الأمريكي و أصاب يده بالشلل ، تلك التي يؤمل عباس عليها بأن تمارس الضغط على الجانب الإسرائيلي ، و أخرج أوروبا ( تماماً ) من الملعب ، و بالتالي أفقد عباس ما تمنى أن يكون بيانها يشكل مرجعية للمفاوضات ، كما رفع الكارت الأحمر في وجه اللاعب الروسي ؛ ليطرده دون إنذار، و كذا فعل بالأمم المتحدة ،و بذا تمكن نتنياهو أن يضع رأس عباس بين شقي رحى ثقيلة هائلة الطحن ؛أولاها: أمريكا ، و الثانية: (إسرائيل) ، و التي رأيناها بلا رتوش من خلال العناق ( الفريد) الحميم ما بين هيلاري و بيريس ، و الذي تكرر عرضه مرات على فضائيات الدنيا ؛ فردت هيلاري ذراعيها ( لتعبط ) بيريس و مشيا على البساط الأحمر و قد حضنت كفها كفه، في الوقت الذي يرضى عباس لنفسه أن يعقد جلسة الجولة الثالثة في بيت نتنياهو بالقدس ،بما يعبر عن إقرار صريح بأن القدس لهم ( حتى وإن كانت الغربية ) شاطبا شعارا لا يزال الشعب الفلسطيني يردده كمبدأ و عقيدة ( القـــدس لنــا لا للظلمـــة) كما أن نتنياهو يظل على إصراره العقدي بما يتعلق بيهودية الدولة ، وعدم تجميد الاستيطان بعد 26/9، فهي أول كلمة قالها لهيلاري ،و هاهي وعلى بُعد أمتار من مقر عباس في رام الله شرعت البلدوزرات – تصم آذانه - في البناء في مستوطنة (موديعين عاليت) فتتساوق معه هيلاري و معها جورج ميتشل فيضعا حيلة ، و هما على يقين من استدراج عباس لحبائلها تتمثل في ( لا بأس من استئناف الاستيطان يا سيد عباس تجاوباً مع تعنت نتنياهو.
و لكن في مناطق ستكون من نصيب (إسرائيل) عند إقرار تبادل أرض بأرض ، و هو ما قد وافق عليه عباس ) و لجعل ذلك أمراً حتميا ً وواقعيا ً فإن ميتشل خرج ليُعلم العالم بذلك ، فيبتلعها الفلسطيني و لا تشكل له صدمة أو سبباً في الرفض ، ثم تقرر هيلاري زيارة عباس في مقاطعته لإقناعه بهذا الحل ( الأمريكي السحري ) و في تقديري أنها لن تجد صعوبة ،و ستجد من ( جلالته ) مرونة و رضا و وقبولاً ؛حفظاً لماء وجهه و تبريراً لاستمراره في التفاوض رغم إعلانه المتكرر عن مقاطعته له إذا ما استأنف نتنياهو بناء المستوطنات !.. و لا يخفى ما تعمده نتنياهو من قصف رفح ليقتل ( وجدي القاضي ) و يجرح ثلاثة شبان ، في الوقت الذي يفاوض فيه عباس في بيته و بعد يوم واحد من تمزيق المصحف و دوسه بأقدام المستوطنين ، و بعد ثلاثة أيام من اقتحام المستوطنين الأقصى تحت حماية الشرطة الإسرائيلية ..و بهذا كله فهل يبقى لمراقب أن يقول: إن المفاوضات كانت طحنا في الهواء ؟ أوليس من الأحرى أن يقول : إنها طحن للقضية الفلسطينية و إنسانها بين شقي الرحى ( الأمريكي الإسرائيلي ) وأما ذراعها فهي في يد عباس يديرها لتحطم الكرامة الفلسطينية و الحق الفلسطيني و مستقبل الأجيال و المقدسات !!!
