الجمعة 09 يناير 2026 الساعة 05:53 م

مقالات وآراء

تصريحات مثيرة للأعصاب

حجم الخط

إنه مما يثير الأعصاب في العمل السياسي التصريحات السياسية الفاقعة التي تخلو من الحقيقة، وتفتقر إلى المصداقية ، وتذهب في التضليل والمراوغة مذاهب شتى . ومن هذه التصريحات المرتبطة بالعودة إلى المفاوضات المباشرة ، قول جورج ميتشل : (إن الحل يكمن في دولتين لشعبين : دولة (يهودية ديمقراطية) ، ودولة فلسطينية) . الأمر الذي يعني أنه لا توجد على الأرض مفاوضات متوازنة ، وإنما املاءات إسرائيلية تقبلها الجانب الأمريكي في تطور خطير في الموقف لم يكن متوقعاً .

 

أمريكا (أوباما) لم تكن ترى في (يهودية الدولة) منطقاً أو توقفاً يساهم في إنجاح المفاوضات ، ولكنها الآن تتحدث بلغة نتنياهو قائلة (يهودية وديمقراطية) رغم التباين والتناقض بين (اليهودية والديمقراطية) لان صفة اليهودية تعني العنصرية في الدين والجنس الذي ينفي الديمقراطية ، لأن فلسطين المحتلة عام 1948 هي في الواقع الآن ثنائية القومية ، حيث تبلغ نسبة العرب في (إسرائيل) 22% من عدد السكان ، والقول بيهودية الدولة يهدد حقوق هؤلاء جميعاً ويجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية .

 

إن تصريح ميتشل الفاقع ، مسكون بفساد موقف ، وضعف رؤية ، لا سيما حين يأتي في سياق عودة عباس للمفاوضات المباشرة ، لذا فهو مثير للأعصاب ، وبالذات حين يقف ميتشل في مؤتمر صحفي بعد لقاء القدس أمس ليعلن أن تقدماً ما حصل في المفاوضات ، دون تحديد لما هية هذا التقدم ؟! فهل يمكن أن تتقدم المفاوضات نحو العدالة في إطار (يهودية الدولة) ؟! (مستحيل) .

 

ومن التصريحات السياسية والإعلامية المثيرة للأعصاب ما يصدر عن الجانب الفلسطيني قول قادة في المفاوضات وقادة في فتح ، إن المفاوضات المباشرة (ممر إجباري) وقولهم بلغة مرادفة (مكره أخاك لا بطل) ، وقولهم (إنها فاشلة مع استمرار الاستيطان) ! والأمر ليس كما تحدده هذه التصريحات المضللة ، فالمفاوضات ليست ممراً إجبارياً لا بديل عنه ، فلقد أدار الفلسطينيون صراعاً مع احتلال فلسطين منذ عام 1948 وحتى 1994 من خلال المقاومة وبدون مفاوضات ، وتفجرت انتفاضة الأقصى في عام 2000م في ظل المفاوضات ، وفي تفجرها إعلان واضح أن المفاوضات ليست ممراً إجبارياً ، وأنه ثمة بديل عنه .

 

المفاوضات ممر إجباري لتدفق مال الدول المانحة على السلطة فقط ، وليست ممراً إجبارياً في إدارة الصراع ، وإذا حاول بعضهم إدخالنا في ممر إجباري فالمقتضى الوطني والمنطقي يقتضي دفعة ورفضه وعزله والتمرد عليه ، ومن ثم فإن الشعب الفلسطيني يملك الوعي الكافي لرفض لغة التبرير والمراوغة من الذين ذلت رقابهم للخارج أو للمال السياسي ، لأنه لا يوجد ممر إجباري للأحرار في العالم ، والممرات الإجبارية هي فقط للعبيد ، وللعجول عند الذبح .

 

إن (فتح) حين تذهب إلى مفاوضات مباشرة بقرار فردي لرئيس الحركة في تناقض غير مسبوق مع الإجماع الوطني لا يعني أنها تذهب مكرهة في ممر إجباري بعد أن وفر لها الشعب ، ووفرت لها الفصائل دعماً كافياً لرفض الضغوط العربية الأمريكية ، ولكن (فتح- عباس) اعتادت المفاوضات ولا تستطيع مفارقتها رغم فشلها وإضرارها بالمصالح الفلسطينية . لذا أقول وأنا مطمئن لما أقوله إن مشكلتنا مع المفاوضات هي مشكلة ذاتية ، إنها مشكلة مع أنفسنا وليس مع الضغوط الخارجية ، ولا مع الصلف والتعنت الإسرائيلي . مشكلتنا الذاتية أن المفاوض وقادة فتح لا يملكون الشجاعة الكافية للإعلان عن الفشل والبحث في البدائل ، خشية أن تمهد هذه الخطوة إلى تقدم حماس أو غيرها من الفصائل !!