أولاهن : تزوجته وكان وردة الشباب أدباً وجمالاً وأناقة وذكاءً ، كانت تعمل في سلك التعليم وهو كذلك ، شابة في مقتبل العمر وهو كذلك ،كان (حدوتة) زملائهم يوم أن خطبها ، وكأنما خلقا ليكونا زوجين ، كانا متكاملين ، وكأي ناجح اتخذ هواة القيل والقال منهما موضوعاً للحوار ، مضت السنوات ولم يأت ( الولد) فصبرا على جمر الانتظار وعذابات سياط الألسنة والشامتات ، حتى كان يوم انهد فيه جدار على جسده ، أصابه بالشلل الرباعي ..
أخذت على عاتقها أن تكون له زوجاً وأماً وأختاً وابنة وطبيبة وممرضة ، واستمدت العون من السماء ، لا يراها من يراها إلا كالنحلة دائبة الطيران ما بين المدرسة والمستشفى والبيت والصيدلية والسوق والأرحام ، بقيت على هذا سبعة عشر عاماً ، وبمفاجأة أشبه بالمعجزات رزقهما الله ( بهبة ) ومرت ثمانية عشر عاماً أخرى لم يأت لها أخ أو أخت ، وأما الذي جاء، فكل أمراض الدنيا التي سكنت جسده ، تجرعت هبة شلالاً من الصبر مع أمها.
وأضاف الصبر إلى عمرها عشرات السنين ، لم يتوقف هو عن التكيف مع حالته وأمراضه ،نجح في أن يثقف نفسه ويطور من إتقانه الانجليزية ، حتى أضحى يتكلمها كأهلها من الأكاديميين ، وقاموسه الطبي فيها مثار عجب وإعجاب ، واستطاع أن يطور من قدراته الإدارية حتى تفوق، ومن بحوثه في تأهيل المعاقين حتى أصبح القاسم المشترك في مؤتمراتهم في أبو ظبي –دبي- أمريكا –سويسرا – بريطانيا – لبنان ، لا تراه إلا مبتسماً حتى إذا تأوه يتأوه وهو مبتسم ... خمسة وثلاثون عاماً من الصبر مضت حقق فيها يوسف من الكرامة ما لم يحققه الكثير من الأصحاء ، وكانت زينب من ورائه ومن أمامه وعن جانبيه.
أما الثانية فهي الفنانة التي هزمت جيش الاحتلال بريشتها كما هزمت الفساد، هزمت مراكز القوى ، وملوك الطوائف ، محاربة من الطراز الأول لكل أعداء وطنها ، حتى أصبحت موضوعاً متجدداً ، بدأته على آخر صفحة من جريدة ( الرسالة) لتنتهي إلى (مدرسة ) ينتظم فيها العديد من الدارسين والطامحين لنيل درجات الماجستير والدكتوراة، في الفن في أرجاء الدنيا ، تآلفت روحها مع المهندس رامي ، لقد جمعهما الإبداع ، هي فنانة محاربة وهو شاعر محارب، عشقت الرياضيات وهو عاشق الهندسة ، تزوجا ، رزقا بنور ، خرج بسلاحه، عاد إليها شهيداً ،بكته ، ورسمته بؤبؤ عين ، روت بدموعها أزهار الياسمين التي كان يحبها رامي ... ثم واصلت الحياة ... وامتشقت ريشتها لتعود إلى الميدان ، فالتقت (وائل) المهندس المحارب لتستأنف معه الحياة ، وبين عشية وأخرى يغزو مرض جسد وائل ، تهتز له ريشة أمية كما يهتز له كيانها ، كان يعد نفسه للشهادة ، ليلحق برفيق دربه القسامي رامي ، وإذا بطعنة المرض التي أودت بحياته تصيب قلبه ، عقدت المصيبة مشاعرها وحواسها وكادت أن تزلزل كيانها إلا أنها تمالكت ، واستقوت بالسماء ، وانبعث إصرارها متجدداً دفاقاً ، لتكون (أمية) التي لا يكاد يجهلها (نظام ) أو (موقع ) أو (صحيفة ) لتطور من أدواتها التي تحارب بها فتصدر مجلة (يزن) في مساهمة هي الأذكى في بناء جيل هو اليوم طفل وغداً رواد وقادة...
وأما الثالثة فشابة بسيطة، يتقدم لخطبتها سامي( طالب الشريعة ) الفقير الذي يعمل سائقاً ليعيل عروسه ومن يتوالد لهما على رأس كل سنة ، ولينفق على دراسته،وما زاد منه يشتري به رصاصاً وبندقية أملاً في (شهادة ) ، كان على يقين بأن الله أعدها لكل قسامي ، حتى كان اليوم الذي جاءها فيه ( سامي) أشلاء بعد أن أصابه صاروخ الأباتشي وهو في مهمة جهادية ، وبعد سنتين أو ثلاث يتزوجها أخوه ذو الثلاثة والعشرين عاماً ليكون عماً وأباً لأولاد شقيقه الشهيد ..
إلا أن بصره كان مشدوداً إلى هناك، إلى حيث استقرت روح سامي ..قائده وقدوته ومثله الأعلى،خرج إلى ميدان التدريب،أخذ يداعب قذيفة كعاشق ..انفجرت بين يديه فأطارتهما،وأصابت إحدى شظاياها ساقه وجزءاً من فخذه فألحقتها بيديه!!!أفاق أحمد على ساق واحدة من أطرافه الأربع ..غامت الدنيا في عيني .رأيتها وراء الأفق وهي تعتني بأحمد؛ كيف ستطعمه؟ وكيف ستلبسه؟ وكيف؟ وكيف؟ وكيف؟ .. يا إلهي .. رحماك!!!هن ثلاث .. فما معنى البطولة ،إن لم تكن هي كل واحدة منهن ؟؟؟!!!
