الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 08:35 م

مقالات وآراء

هل حقاً تجفف السلطة منابع التدين في الضفة؟

حجم الخط

لا أكاد أسمع وزير الأوقاف في حكومة السلطة يتحدث إلى فضائية في جدل ذي علاقة بحماس إلا ويذكّر بما جرى في مسجد ابن تيمية في رفح، الأمر الذي يكرره آخرون من أنصار السلطة وحركة فتح بين الحين والآخر في سياق المناكفة. وقد تكرر هذا الأمر مراراً خلال الأسبوعين الأخيرين على خلفية الجدل المندلع حول موقف السلطة من الدين والتدين في الضفة الغربية.

والحق أن هذه الغضبة الدائمة على ما جرى في المسجد المشار إليه لا تبدو مقنعة، ولو تكرر مشهد "الإمارة الإسلامية" في جنين لشهدنا ما هو أكثر بكثير (قتل عناصر حماس في قلقيلية دليل على ذلك، مع أنهم لم يعلنوا إمارة ولا ما يحزنون)، مع العلم أن عناصر شرطة حماس ليسوا مدربين على مواجهة هكذا حالات مثل رجال أمن السلطة، كما أن احتدام المواجهة لم يحدث بتلك الطريقة إلا بعد قتل جماعة الشيخ عبداللطيف للوسيط الذي يعرفه أهل غزة بدينه وجهاده وخلقه (محمد الشمالي).

كل ذلك لم يدفعنا إلى اعتبار ما جرى صائباً، وقد انتقدناه في حينه، لكن ذلك شيء واستخدام هذه الواقعة الخطأ للتستر على جرائم لا تحصى (سياسية وأمنية والآن دينية) ليس مقبولاً بأي حال، ولن يدفعنا إلى السكوت عليها بحال.

ثمة حملة لتجفيف ينابيع التدين في الضفة الغربية لا تخطئها العين، وكل هذه الخطب التي يلقيها ذلك الرجل عن الالتزام بالسنّة والأدلة والقرآن لن تخفي بحال حقيقة ما يجري.

ليس من السهولة وضع الحملة في إطار الحرب على الدين بحرفية النص كما ذهبت بعض أوساط حماس، ولو لو تكن الحاجة السياسية قائمة لكان المشهد مختلفاً بعض الشيء. صحيح أن نمط السلطة بقيادتها القائمة يحاكي دولة غربية بالمفهوم الأخلاقي والقيمي (الحريات والديمقراطية شيء آخر)، لكن ذلك لم يكن ليدفعها إلى هذا الحملة الواضحة ضد التدين لو كان المشهد السياسي مختلفاً.

ما يجري في الضفة هو محاولة لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني (التدين نقيض ذلك) لكي يقبل بصفقة تقوم على مقايضة الأرض والتحرير والكرامة بالرواتب والمعونات، وذلك عبر مسار السلام الاقتصادي الذي يحمل مسميات كثيرة، ولا قيمة بالطبع لرفضه المعلن ما دام هو الذي يتحرك على الأرض بلغة الأمن والاقتصاد والسياسة. وإذا تذكرنا إلى جانب ذلك حقيقة أن ثمة حرباً على خصم سياسي تساعده أجواء التدين على التمدد والانتشار، فسندرك أن سياسة تجفيف ينابيع التدين تغدو مهمة بالنسبة لهؤلاء، تماماً كما كانت كذلك بالنسبة لمن اخترعوا هذا المصطلح في إحدى الدول العربية مطلع التسعينيات في سياق حربهم على الحركة الإسلامية.

 

من المساجد تبدأ المعركة، هي التي تعرضت خلال السنوات الماضية لتأميم شامل على مختلف الصعد، وقد كان مثيراً أن يمنع وزير الأوقاف إياه الشيخ الجليل المعروف حامد البيتاوي (عضو المجلس التشريعي وخطيب المسجد الأقصى) من الخطابة والتدريس في المساجد، الأمر الذي ينسحب على المئات من المشايخ، في خطوة لم ينفذها الاحتلال قبل أوسلو رغم الخطاب التعبوي الذي كان يتردد في المساجد.

في هذا السياق قال الرئيس الفلسطيني نهاية العام الماضي لصحيفة هآرتس الإسرائيلية "لقد فرضت خريطة الطريق مطالب على جميع الأطراف. كان علينا أن نوقف الهجمات الإرهابية، الاعتراف ب"إسرائيل" وحتى وقف التحريض. لذا تعال وانظر ما فعلنا. على الرغم من أن اللجنة المشتركة لمكافحة التحريض لم تعد فعالة، فقد عملنا ونعمل ضد التحريض. قالوا إن هناك مشكلة في التحريض خلال خطب الجمعة في المساجد. اليوم لم يعد هناك المزيد من التحريض في أي مسجد".

قبل المساجد كانت مرافق العمل الاجتماعي التي ترفد حالة التدين تُستهدف أيضاً، من جمعيات خيرية ولجان زكاة ودور قرآن إلى غير ذلك، وتوضع جميعاً تحت إمرة أناس يتكفلون بشطب رسالتها، وتالياً شطبها.

بعد ذلك يأتي التعليم الذي استهدف رجاله عبر الإقصاء والفصل، وعبر روحيته العامة، أولاً في المدارس، وثانياً في الجامعات التي كانت منبع التدين في الضفة برجالها وطلبتها، بخاصة الكتل الإسلامية، والتفصيل في هذا الأمر يطول، لكن استهداف رموز حماس الذين يتحركون بين الجماهير ومنعهم من التواصل معها بسائر الأشكال هو رأس الاستهداف أيضاً، وبالطبع لما كان لهم من تأثير كبير في المجتمع.

مؤسف هذا الذي يجري ومثير للقهر، لكننا واثقون من أن المجتمع الفلسطيني سيتجاوز هذه المرحلة بكل حيثياتها وسيستعيد وعيه وجهاده ليبدأ مرحلة جديدة حافزها التدين الذي يمنح المجتمع صلابته وقوته في مواجهة الغزاة.