في سلسلة أو مسلسل العطش والتعطيش تجري محاصرة مصر، والسودان بالتالي، من قبل من اتخذناهم أولياء وحلفاء ودخلنا معهم في اتفاقيات سلام شلت حركتنا وأعدمتنا وأفقدتنا استقلاليتنا وفقدنا معها روحنا وذاتيتنا، وتراجع بها ومعها وزننا، ولكنها في الوقت ذاته لم تلزم عدونا بشيء، بل على العكس، واصل النبش والحفر تحتنا لتنخسف الأرض بنا وتغور من تحت أقدامنا.
وطفق ينبش في منابع النيل ويحرضنا دولاً لا كانت على البال ولا خطرت في الخاطر أن تأتي من قبلها المخاطر. لكن كان الذي لا على البال ولا على الخاطر! ورأينا كيف أصبح أمثال ملس زيناوي الرئيس الأثيوبي يهدد ويتوعد ويحسم أموراً أكبر منه في غيبة دول كانت سيدته، وهي أكبر منه، لولا ما جرى من تقزيم دورها وتصغير حجمها وتبديد طاقتها وجعلها مجرد تابع لمشروع صهيوني لئيم قديم.
وقلنا أو لم نقل: إن الذي فرط بالغاز يفرط في الماء والعكس. فهذان عنصران حيويان للحياة واستمرارها ورقيها وتطورها. فكيف نمد بهما عدونا الأعدى والأعتى والألد الخصم؟!
وكيف لم يتأثر موقفنا من هذا العدو رغم انكشاف مخططاته اللئيمة؟ أسئلة محيرة معلقة بلا جواب. ونواصل في هذه الحلقة الاقتباس من مقال أيمن الصياد في مجلة وجهات نظر.
يقول بعد تفصيل عن مؤامرات "إسرائيل" في منابع النيل، يقول: "أين نحن الآن؟ ربما أمكن تلخيص شيء من الإجابة في النقاط التالية:
• بعد عشر سنوات من المفاوضات خسرت مصر معركتها، أو بتعبير أكثر تحديداً: لم تحتفظ القاهرة بالاتفاقية التي كان الاحتفاظ بها هدفها الوحيد، والتي طالما قال مسؤولوها إنها غير قابلة للتعديل أو إعادة النظر. معتبرة أن الأمر يقع في صميم أمنها القومي.
(وتعليقنا ليس مهماً جمودك على موقفك، ولا أقول ثباتك، مع أن المتغيرات من حولك تفور وتمور، والأرض ترتج تحت أقدامك. وما كنت تظنه ثوابت، إذ به في مهب الريح.. أو قد ذهب مع الريح. وما تعده أمنك القومي إذ به مهدد أو مبدد. فما قيمة أن تعد هذه الأمور خطوطاً حمراء أو بنفسجية؟ وما قيمة أن تعدها صميم أمنك القومي أو الوطني أو ما شئت؟ إذا لم تطور قوتك بحسب مقتضى الموقف فلن يظل لك أمن ولا قومي!)
• القراءة الصحيحة لحديث "ملس زيناوي" للتلفزيون المصري توضح أن الرجل صلب في موقفه، وأن حديثه للجزيرة قبل أسابيع لم يكن لأسباب انتخابية، كما تمنى "البعض" في القاهرة وقتها. وأن المصريين خسروا –ربما- بلا عودة، معركة التمسك بالاتفاقات القديمة. فما جرى قد جرى. والدول السبع التي وقعت في عنتيبي، قد مضت خطوة إلى الأمام، كما يقول زيناوي، ولا يعنيها من قريب أو بعيد أن يتمسك البعض باتفاقياتهم القديمة. نحن نعيش في قرن جديد كررها زيناوي إحدى عشرة مرة في حديثه للتلفزيون المصري، كأنما يقولها لمن لا يريد أن يعترف بحتمية "التغيير".
(وتعليقنا: إن هذا الملس وجد من يخشّنه ويحسن من أدائه ويخشن من نبرته معنا، ووجد من الدعم ما يشد أزره ويرفع نبرته. وملس متآمر كبير يلعب بقدم غيره "وبوط" غيره، وبيد غيره وقبضة سواه. أليس هو من لعب لعبته القذرة في احتلال جزر يمنية ولم ندر عادت أم زادت إليها أثيوبيا؟ وهو الذي يلعب في الصومال لعبته القذرة. وهو الذي يلعب في السودان لعباً قذراً. فملس نجس يحرك من قوى قذرة دولية وعصابات إجرامية. وتكرار إننا في قرن جديد هي النبرة ذاتها التي كررت عندما قال بوش الكبير إنه نظام عالمي جديد.
ثم إن اختيار "عنتيبي" لتكون مقر اجتماع دول التآمر بحد ذاته يبرز الأصابع اليهودية سافرة متحدية. ألا تذكرون عملية عنتيبي لتحرير رهائن الصهاينة؟ ألا تذكرون أن "عيدي أمين" كان يحكم هذا البلد فأطاح به الصهاينة، فهي أي عنتيبي لها رمزيات في السيادة الصهيونية، وهذه هي الضربة الثالثة من وفي عنتيبي فهل وصلت رسائل تل أبيب يا أيها اللبيب من عنتيب؟)
• الملف الذي ترك عشر سنوات كاملة للفنيين، رغم حقيقة مركزيته في الأمن القومي المصري، اتضح أنه سياسي بامتياز ولم يعد العامل الحاسم في المعادلة هنا. مقياس النيل ارتفاعاً وانخفاضاً، أو بنداً في اتفاقية هنا أو بنداً هناك. وإنما قدرة كل طرف على أن يصل إلى أهدافه. ويعرف التاريخ والعلاقات الدولية أن لهذه القدرة عوامل ومعايير."
(وتعليقنا: الفنيون مساعدون للسياسيين، لكنهم لا يملون محلهم. وقول الكاتب: إن قضية النيل تركت للفنيين وأهمل الجانب السياسي، قول صحيح وخطير. وقل الكلام ذاته في المفاوضات في أي شأن لا يجوز أن ينفك الجانب الفني عن السياسي، ولا يستغني الفني عن قرار السياسي والعمل في نطاق المحددات السياسة، ولا يستقل الفني، والأخطر من الأمرين هو السياسي بالطبع. فهذا هو الذي يضع الأطر والسقوف والضوابط والمحددات والفني يعمل في هذا النطاق.
وأما "مقياس النيل" فمصطلح يعرفه المصريون. وفي القاهرة حي باسم الروضة فيه المقياس منذ زمن المماليك.. ويسميه المصريون مقياس الروضة وقد سكنته لبعض الوقت في القاهرة. وعندما يفيض النيل يغطي المقياس، وعندما يغيض تظهر عليه علامات المقياس.
وفي هذا الحي سكن الأزايدة وعزام الهنيدي وربحي البشتاوي وعدد من الأحبة. وفي هذا الحي بل عند المقياس كانت وفاة المفسر الشهير أبو جعفر النحاس قبل ألف من السنين.
على أن عمل الفني والسياسي ليس فهلوة ومواقف فردية إنما حساب موازين قوى للشعب فيه وقوته وحريته السهم المعلا.) ونعاود الحديث عن نقاط ركزها أيمن الصياد، يقول:
• رغم تخوف مشروع من أن دبلوماسية اللحظة الأخيرة جاءت بعد أن سبق السيف العذل، إلا أن لا شيء غيرها ممكن وواقعي الآن. شرط أن يكون لها إستراتيجية واضحة. وأن لا تكتفي بالتعامل مع التداعيات دون النظر إلى المسببات."
(أما دبلوماسية اللحظة الأخيرة فهي النهج العربي المفضل. والدأب والديدن والشنشنة المعهودة التي لا تتغير. فمتى تداعينا "لنجدة" الشعب الفلسطيني سنة 48؟ بعد اللحظة الأخيرة. ومتى بدأ الاستعداد لحرب 67؟ بعد اللحظة الأخيرة. وهل قرأت ما كتب اللواء فيصل عبد المنعم في كتابه عن تلك الحرب "وشهدت الرصاصة الأولى"؟ وماذا نقول بعد؟ إن الارتجال، و "اللهوجة" و "الشلفقة" والسلق هي طبيعة السياسات. أما أن نطرح إستراتيجية ومنطلقات منها تنطلق السياسات والبرامج فهذا ما لم نتعوده!) وفي النقطة الأخيرة قال الصياد:
• إن حل مشكلات حوض النيل (بعد أن فات ما فات) يتطلب النظرة إلى الحوض كوحدة مائية واقتصادية وبيئية واحدة واعتراف كل دولة بحقوق الدول الأخرى، دون حديث استعلائي جرى اختباره في أزمة الجزائر الأخيرة (أزمة الكورة إن كنتم نسيتم!)
يقول الخبراء إن الطاقة الكهربائية في أثيوبيا التي يمكن توليدها من النيل وحده تكفي كل دول الحوض، وإن إمكانيات السودان الزراعية والثروة السمكية في البحيرات الاستوائية تشكل آفاقاً واسعة للتعاون. ويبقى ذلك كله مرهوناً "بالسياسة"، وما أدراك ما السياسة في نظام بدا وقد وهن العظم منه، فتعثرت خطواته أو ارتبكت على أحسن تقدير."
(كلام جميل وكلام معقول. لكن من ينفذ إذا كنا نستأذن السادة الذين لا يأذنون لنا بالتنسيق وينفردون هم بتنسيق يوفر لهم الهيمنة ونهب الثروات؟)
وبعد. يقول الصياد: فلا أحد يملك بحسابات المسؤولية التاريخية أن يهون من الأمر. "فمصر هبة النيل". حقيقة حفرتها الجغرافيا في كتاب التاريخ. وعبر آلاف السنين كان النيل أشبه بالحبل الشوكي العصبي الذي يربط الجسم كله زراعة واقتصاداً وتكاملاً ودولة مركزية. يحدثنا المقريزي إن الناس كانت تأكل بعضها بمجرد أن ينقص مقياس النيل لأقل من 16 ذراعاً. ولكن لا أحد يملك اليوم بحسابات المسؤولية التاريخية أن يتحدث حديث السادات، مهدداً بقصف أديس أبابا منجستو مريم، فتلك لغة قرن فات كما قال ملس.
النيل نجاشي منذ أن عرفناه قبل آلاف السنين. ولكن عرفنا أيضاً أن أحداً لم يبخل به يوماً حباً واحتراماً لمصر التي كانت.
واقرؤوا التاريخ!


