السبت 10 يناير 2026 الساعة 01:17 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

مصر التي كانت 2/3

حجم الخط

مواصلة لحديث العطش، تكلمنا في حلقة سابقة عن النيل، ومخطط تعطيش مصر، وكيف تغيرت مصر من قائدة قارة إفريقيا، إلى غائبة القارة وفاقدة التأثير. فلما انتبهت أخيراً على الخطر المحدق كان الوقت قد تأخر كثيرا لتدارك ما فات، والموضوع تلخيص وتخليص، لمقال نفيس، لأيمن الصياد رئيس تحرير وجهات نظر عدد يوليو 2010. وكنّا قد توقفنا عند قول السادات عن النيل مبرراً قراره بمد "إسرائيل" بمياه النيل: "نبقى نقول لهم الميه بتروح في البحر".

يقول المقال: في صفحات التاريخ نقرأ. في مارس 1903 ومن نافذة فندق شبرد الذي كان ينزل فيه "هيرتزل" تأمل طويلاً نيل القاهرة الذي يجري أمامه، فلما التقى اللورد كرومر (حاكم مصر الاستعماري) اقترح عليه "أن نمد فرعاً من النيل إلى سيناء لنتمكن من توطين اليهود المهاجرين هناك" وكانت مسألة توطين اليهود في سيناء محل بحث وقتها. وكانت مفاوضات ماراثونية يهودية بريطانية مصرية، وكانت تصطدم بعدم ترحيب بطرس غالي "الأب" وزير الخارجية المصري أيامها، قبل أن تنهار المفاوضات على صخرة الأسباب التقنية التي طرحها المهندس البريطاني جارستون، والبريطانيون لم يرحبوا بإيقاف الحركة في قناة السويس لحين الانتهاء من حفر نفق لتمر به المياه أسفلها.

(لاحظ أن بطرس غالي وزير خارجية مصر، وابنه بطرس بطرس وزير خارجية مصر زمن السادات، والمفاوضات، وابنه يوسف بطرس وزير المالية المصري الحالي.. الوزارة عائلات)

ونعود إلى المقال: سنة 67 نشبت الحرب التي غيرت نتائجها مجريات الصراع في الشرق الأوسط. ولم يكن تحويل مجرى نهر الأردن ببعيد عن كل ما جرى.

· في سنة 82، وتحت مسمى ربما كان ذا دلالة: "عملية الليطاني" أقدمت "إسرائيل" على غزو لبنان للسيطرة على نهر الليطاني، والذي وفر لها 800 مليون متر مكعب من المياه سنوياً.

· في أوائل التسعينيات من القرن الماضي ظهر كتاب لخبير المياه الإسرائيلي: "اليشع كيلي" يعرض فيه من الناحية التقنية مشروعاً متكاملاً لتنفيذ فكرة هرتزل القديمة.

· في سنة 2002 صدر كتاب آخر تحت عنوان مثير: "الصليب والنهر"، يتنبأ فيه كاتبه الإسرائيلي، بصراع قادم بين مصر وأثيوبيا على مياه النهر.

ثم قال الكاتب: إننا وجدنا أن نتحمل المسؤولية كاملة. (يقصد أن النذر توالت ووافت وتتابعت، وكان يكفي نذير للتدارك، فجاءت النذر ولا من يتدارك). 

ثم قال "الصياد" الماهر: الثابت إذاً أن الماء كان دوماً هناك.. كما هو الآن عند كل من يتوقعون أن تكون حروب القرن الحالي "حروب مياه".

إن لمصر حقاً في مياه النيل، ولكن السياسة لم تكن قانوناً فقط، فكما أهدرت السياسة يوماً ما، ما أتت به الحرب سنة 73، ها نحن نراها اليوم تهدر حقاً قانونياً لم نعد في المكان أو المكانة التي تمكننا من الحفاظ عليه.

ثم يشير المقال إلى بند خطير وضع في الاتفاقية الإطارية الجديدة التي تم توقيعها رغماً عن مصر، أنها ضمت بنداً يشير إلى حق الدول المتشاطئة مع دول حوض النيل في الحصول على مياهه، بمعنى أن كلاً من "إسرائيل" وليبيا المتشاطئتين مع مصر سوف يكون لهما الحق في الحصول على المياه.

والأشد خطورة أن القانون الدولي يلزم بوجود اتفاقيات جماعية، ويمكن في هذه الحالة أن يكون عدم اعتراف دول حوض النيل بالاتفاقية الثنائية بين مصر والسودان (سنة 59)، قانوناً في حد ذاته.

ويزيد الأمر تعقيداً أن السودان قد يصبح سودانين. (تأمل الحبكة في لعبة الأمم كيف يرسمون الحدود وكيف يولدون الدول، وكيف يحكّمون من يخدم مصالحهم، وكيف تهمش شعوب وبلدان، ليتم المخطط، وتنفذ المؤامرة، كأنها قدر محتوم! وما هي بقدر محتوم لو وجدت من يقف لها. لكن ونحن قد أسهمنا في ضعف السودان وتمزيقه، وسلبيتنا جعلت الوقت يمضي لصالح العدو، والتآمر على الذات ماض في كل صعيد ليس في حصار غزة فقط، فكيف لا تمضي لعبة الأمم كأنها القضاء المحكم المبرم المحتم؟)

نعود إلى الصياد ومقاله الذي من أن يصبح السودان (اثنين سودان)، بعد أشهر قليلة، وإن الاتفاقات التي تمهد للأمر ناقشت كل شيء عدا قضية المياه.

والخلاصة أن السياسة المصرية تجاه ملف النيل في السنوات الأخيرة، جانبها التوفيق (أو تجنبها التوفيق)، إذ بدا أنها إما غاب عنها ما للموضوع من أهمية في ملف الأمن القومي المصري، أو أنها اطمأنت –كعادتها- إلى "التوقع بالتمنيات. فطوال عشر سنوات من المفاوضات لم تنتبه إلى إصرار دول المنبع على مطالبهم. بل لم تكترث بأن هناك أبحاثاً علمية تجري هناك، ودراسات جدوى، ووفوداً تذهب وتجيء. لم نر جديداً هناك، رغم أنه كان يطرق بابنا كل يوم. لم يخدعنا أحد. فموقف الآخرين كان "واضحاً ومحدداً ومعلناً" لعشر سنوات كاملة. ورغم ما جرى في كنشاسا قبل حوالي سنة من خلاف بدا –لكل ذي عينين- أنه تجاوز خط اللاعودة إلا أن المنهج الفرعوني في التفكير كان كعادته كافياً لعدم رؤية "عصا موسى تتحرك" (هذا تعبير الكاتب. وهو مدهش. وكم في اللغة من كوامن. وكم تستثير اللغة من كوامن. وكم تستجيش من معان ومن مشاعر ومن مخزون!

 

أما عدم الرؤية وتعمد العمى، ودفن الرأس حتى تمر الأمور المبيتة فهي خطة مكرورة لا جديد فيها. وهل هو العمى أو ما هو أبعد من العمى؟ ما كل ما يعلمه المرء يتفوه به!)

ونواصل مع الكتابة المسؤولة والكلمة المنبهة المحذرة لا المخدرة كما هو شأن أغلب الكتبة في عالم العرب. يقول أيمن الصياد: "تغير العالم.. فرفضنا رؤيته يتغير. ورفضنا أن نعترف، ولو لأنفسنا، أننا تغيرنا، فكان طبيعياً أن يتغير الآخرون. كما غفلنا عن أن ثلاثين سنة من الابتعاد والتعالي عن القارة "السوداء" التي كنا يوماً إلهاماً لثوارها وقادتها، له بالتأكيد تبعاته وآثاره. وبدا مضحكاً أن من نسي تاريخه يتحدث اليوم عن حقه التاريخي."

(يا سلام. مرة أخرى كم الكلمات الصادقة تكوي ولا تلوي على شيء. هذا الذي سماه الكاتب نسيان تاريخ الذات. نسيان الدور الطليعي والقيادي الذي كان لمصر على العرب وعلى قارة إفريقيا.. هذا التاريخ تم تجاوزه عمداً من بعد عبد الناصر. والمفارقة كما قال الصياد الماهر أن يعلي هؤلاء الصوت بالتاريخ والحق التاريخي وهم من شوهوا هذا التاريخ ومن تجاوزوه ومن أفقدوه روحه!)

جاء المصريون متأخرين، ليجدوا أن أثيوبيا زيناوي، لم تعد هي الحبشة هيلاسيلاسي وأن ما سيسمعونه اليوم من الحاكم الأثيوبي، لن يكون أبداً تكراراً لما كان أسلافهم يسمعونه من الإمبراطور في حضرة الزعيم أو في بهو الكاتدرائية المصرية في العباسية.

لقد أسمع "ملس زيناوي" المصريين كلاماً حرص التلفزيون الرسمي المصري على تكراره لطمأنة المصريين حين شبه علاقة أثيوبيا بمصر بالزواج الذي لا يقبل الطلاق. ولكنه قبل خمسة أسابيع قال كلاماً آخر حرص القوم ألا يسمعوه، قال: "أعرف أن البعض في مصر لديهم أفكار بالية تستند إلى أن مياه النيل هي ملك مصر، وهي تمتلك الحق في كيفية توزيع مياه النيل، وأن دول المنبع غير قادرة على استخدام المياه لأنها غير مستقرة وفقيرة."

مضيفاً: "هذه الظروف تغيرت فأثيوبيا فقيرة ولكنها قادرة على تسخير الموارد الضرورية لإقامة أي أشكال من البنى التحتية والسدود (..) على النهر.. لا أرى ما يمنع مصر من الانضمام للركب، لن تستطيع مصر أن توقف أثيوبيا أو تمنعها من بناء سدود على النهر، هذا تاريخ، ولن يكون جزءاً من الحل. فالحل ليس هو محاولة مصر أن توقف ما لا يمكن وقفه."

وقبل أن نقرأ تعليق الصياد على كلام "الزين" "الملس" نقول كلمتين: (من الذي ضخ في دماء زيناوي هذه الحرارة، ومن الذي وضع في فمه هذه الكلمات؟ واضح أنها الصهيونية العالمية التي صادقها قومنا و "جماعتنا" في مصر. ومن الذي صغّر مصر أو صفّرها إلى هذا الحد؟ أليس سيرنا في ركب السياسة الإسراأمريكية؟ وإذا كان أحد مستعداً أن يسير ضد مصالح بلده وقومه فلماذا لا يخف هو وبلده في نظر الأعادي المجرمين؟)

والآن نقرأ تعليق الصياد على كلام هذا الملس الذي خشّن الكلام لمصر: قد يكون هذا الكلام للاستهلاك المحلي كما قرأه بعضهم في القاهرة وقتها. وقد يكون أن أية إجراءات قد تقوم بها أثيوبيا أو غيرها، لن يكون لها تأثير على الأرض قبل سنوات كما طمأن سياسيون مصريون ناخبيهم لكن تبقى حقيقة: 1- أن هذه لغة جديدة. 2- أن السنوات في عمر النهر ليست أكثر من طرفة عين.

وفي حديث زيناوي للتلفزيون المصري الذي بدا وكأن مصر الرسمية قد خصصته لإقناع المصريين بأن للأثيوبيين حقاً، كان زيناوي واضحاً وصلباً وقال ما نصه: "لقد قلت ذلك مراراً وتكراراً: هناك حل واحد فقط لمشكلة النيل هذا الحل هو الحل الذي يرضي جميع الأطراف ويراعي مصالحهم دون تمييز. فإذا كان هناك أي طرف خاسر فلا يمكن أن نصل إلى حل. معتبراً أن ما جرى (أي من اتفاق على اقتسام مياه النيل) لا عودة عنه. وقال:

"إذا انضمت مصر والسودان إلينا خلال هذه السنة فسوف نبدأ التنفيذ معاً في آن واحد. ولكن إذا لم تنضم مصر والسودان خلال هذه السنة فسوف تبدأ الدول الخمس في تنفيذ الاتفاقية."

وتعليقنا على هذا الكلام، ومضطرون أن نعود في حلقة ثالثة: واضح أن هناك قوى دولية تلعب في إفريقيا وتحرض على مصر وعلى السودان، هذه القوى أوضح من أن تحتاج إلى إشارة إليها أو ذكرها بالتحديد. هي التي جمعت دولاً لم تكن لتجتمع وشكلت محوراً منها لم يكن ليتشكل. وفي الوقت الذي يتكلم فيه الأفارقة بنفس واحد كلاماً واحداً فإن مصر والسودان ليست على ما يرام. فقد افتعلت مصر أزمة مع السودان على حلايب في الشمال. وساعدت الجنوبيين في جنوب السودان. فبدا وكأنها متماهية مع المشروع الاستعماري الصهيوني في إضعاف مصر والسودان.

فكيف تقف دول مفككة تتآمر على بعضها في وجه مخطط يوحد دول المنبع في وجه الحق التاريخي لمصر والسودان.

ثم إن موضوع الزمن الذي لا يأبه ولا يحفل به العرب وهو مقتلنا في كل مرة. وشعارنا هو "حسيبك للزمن" والزمن من أسف يعمل لصالح مخططات أعدائنا.

أمر آخر المهم أن يظل حزب ما في الحكم على حساب بقية فئات الشعب، وعلى حساب إهمال مصالح الشعب وعدم القدرة على إدارة الصراع ضد أعداء الأمة ومصالحها والشعب وقضاياه.

هذا التسويف أسوأ خطة. وهذا التنسيق مع الأعداء يملأ القلوب غيظاً. وهذا الكبت للحريات يجعل المخططات المجرمة تمضي قاطعة أوصالنا مجففة عروقنا وسط التهريج والهزيج أن الدنيا بخير وكله تمام..

ألم نغرق في بحر من النكبات في ظل هذه المسرحيات والعرض ما زال مستمراً..