الخميس 01 يناير 2026 الساعة 11:41 ص

مقالات وآراء

فهمي هويدي

محلل سياسي وكاتب مصري
عدد مقالات الكاتب [1149 ]

علاج خاطئ لوضع خاطئ

حجم الخط

صحيح أن حال الفتوى لا يسر في العالم العربي، بعد أن أصبحت ساحة لكل من هب ودب، ومهنة من لا مهنة له، لكن حل المشكلة لا يكون بتأميم الفتوى، وقصرها على نفر من أهل العلم تتخيرهم السلطة من بين رجالها الذين ترضى عنهم. كان ذلك هو انطباعي عن الأمر الذي أصدره العاهل السعودي إلى مفتي المملكة وطلب فيه قصر الفتوى في الشؤون العامة على هيئة كبار العلماء. وحذر الذين يخالفون هذا التوجيه من أنهم سوف يتعرضون للجزاء الرادع. تعرض الأمر الملكي لمبررات هذه الخطوة. فأشار إلى تجاوزات بعض الخطباء «وتناولهم موضوعات تخالف التعليمات الشرعية المبلغة لهم عن طريق مراجعهم» مما يؤدي إلى تشويش أفكار الناس والتعدي على صلاحيات المؤسسات الشرعية. سواء كانت تلك هي الأسباب الحقيقية أم أن هناك ملابسات أخرى استجدت واستدعت اتخاذ هذه الخطوة، فإن ذلك لا يغير كثيرا من اقتناعنا بأن عالم الافتاء يعاني من فوضى شديدة، أسهم في تأجيجها وتوسيع نطاقها التطور الكبير في عالم الاتصالات، الذي فتح الأبواب على مصارعها لكل من شاء أن يقول ما شاء في أمور الدين أو الدنيا. ولأن ذلك التطور جعل التواصل مع الناس خارجا عن السيطرة، فإن الجهات المعنية في الدول غير الديمقراطية دأبت على ملاحقة ومحاصرة تلك الوسائط بمختلف السبل. سواء عن طريق المراقبة أو المصادرة أو القرارات الإدارية. يشهد بذلك مثلا الجهد الذي يبذل الآن لإخضاع الفضائيات العربية للقيود المختلفة التي تكفل الرقابة على البث وتقييد حرية التعبير. كما تشهد بذلك الإجراءات الأخيرة التي اتخذت لوقف بعض خدمات «بلاك بيري» ومراقبة المدونات والفيس بوك وتويتر ورسائل الهواتف النقالة وغيرها، هذه المشكلة ليست مثارة في الدول الديمقراطية. التي تكفل حرية التعبير بغير قيود. وينصب الجهد فيها على مواجهة الأضرار التي تترتب على سوء استخدام وسائل الاتصال الحديثة. مثل الاتجار بالبشر أو غسل الأموال.

التصدي لفوضى الإفتاء عن طريق حصره في جهة رسمية بذاتها لا يحل المشكلة، ولا ينبني على نظر يتحرى جذورها. ذلك أن الفتوى رأي غير ملزم لأي أحد. وتعدد الآراء مطلوب في الفقه كما هو مطلوب في العمل السياسي. وكل الذي سيحدث أن الناس ستعتبر العلماء المأذون لهم بالفتوى والمعينين من قبل السلطة موظفين يخضعون للتوجيه بما لا يبعد عنهم شبهة الولاء لمن عينهم، الأمر الذي يفقد ثقة الجمهور فيهم، ومن ثم سيكون ذلك حافزا للرجوع إلى المراجع «المستقلة» البعيدة عن شبهة الارتباط أو الولاء للسلطة.

إن حصر الفتوى في أناس معينين من قبل السلطة هو في حقيقته تأميم للفتوى، الأمر الذي يضعنا أمام مفارقة جديرة بالملاحظة، وهي أن «الخصخصة» تسود قطاعات التجارة والأعمال، في حين أن قبضة التأميم تشتد على مجالات السياسة والإفتاء والإعلام. لذلك فإن القرار ربما كان أحكم وأكثر موضوعية لو أنه قصر الفتوى على أهل الاختصاص، لاستبعاد الأدعياء والمتطفلين، وفي الوقت ذاته لاستبعاد شبهة إخضاع المفتين لتوجيه السلطة ورغباتها.

على صعيد آخر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو لماذا شاعت الفوضى في مجال الإفتاء؟.. لقد أشرت إلى دور ثورة الاتصال في توسيع المجال، وجذب كثيرين إلى المحطات الدينية، وبرامج الرد على التساؤلات، والافتاء في مشاكل الخلق. لكني أزعم أن هناك سببا أهم وأعمق هو فقدان ثقة الناس في المؤسسات الدينية الرسمية. وتلك أزمة حقيقية وليست مفتعلة؛ لأن الأنظمة التي شددت من قبضتها على مؤسسات المجتمع لم تترك المؤسسة الدينية بغير رقابة أو توجيه. وحين أدرك الناس هذه الحقيقة، التي استدعت إلى المجال العام نفرا من أهل العلم عرفوا بأنهم فقهاء البلاط أو السلطان، فإنهم انفضوا من حولهم، وبحثوا عن آخرين ممن يفتون بوحي من ضمائرهم، وليس بتوجيه من الحكومة، ويخشون الله بأكثر من خشيتهم السلطان وضباط أمن الدولة. إن قرار قصر الإفتاء على أي مؤسسة تتحكم السلطة في تعيين أعضائها هو علاج خاطئ لوضع خاطئ. وعلينا أولا أن نحافظ على استقلال المؤسسة الدينية لتستعيد صدقيتها وهيبتها قبل أن نطالب الناس بالاعتماد على مرجعيتها والاكتفاء بصوتها. لكن ذلك يظل مطلبا صعبا في ظل أوضاع غير ديمقراطية ترفض استقلال المؤسسات الأهلية، ومنها ما فرط في استقلال الأوطان ذاتها.