الخميس 01 يناير 2026 الساعة 10:06 ص

مقالات وآراء

كان اليهود في غزة

حجم الخط

تمر الذكرى الخامسة لانسحاب (إسرائيل) من قطاع غزة، ولم يكن ذلك عفو الخاطر، بل إن (إسرائيل) قد زرعت من المستوطنات ما يبلغ حوالي ثلث مساحة قطاع غزة البالغة حوالي 360 كيلو متر مربع، احتلت معظم الشريط الساحلي بطول حوالي 45 كيلو متر، وأنشأت من الدفيئات الزراعية التي عادت على المستوطنين بمئات الملايين من الدولارات...

وسيطرت على المخزون المائي النقي والأقل نسبة ملوحة في فلسطين، وأنشأت فيها من المصانع والطرق التجارية المأمونة ما يؤكد عدم نية القيادة الصهيونية على ترك غزة، حتى وصل الأمر إلى بناء معاهد دينية وجامعة، واستغلت الأيدي العاملة الفلسطينية النشطة وغير المكلفة بالقياس إلى مثيلتها الآسيوية المستوردة خاصة وأنها على الأرض الفلسطينية..

وإلى جانب ذلك كانت بمثابة أوكار خطيرة للجاسوسية ومستنقعات الإسقاط في الفواحش وتجارة المخدرات والخمور، وقد لعب ضباط الأمن الصهاينة أدواراً خطيرة في اصطياد بعض المراهقين ممن لديهم قابلية السقوط، وقد سببت الحواجز الأمنية والقواطع العسكرية الثابتة والطيارة ضرراً كبيراً على حياة شعبنا، فمئات هم (المطلوبون) الذين تم اعتقالهم على تلك الحواجز والقواطع، ومئات هي الأسر التي أصابها الشلل لفقدها عائلها أو أحد أبنائها الذي رمى به الصهاينة وراء الشمس قبل أداء امتحانه الجامعي النهائي، ليدمروا مستقبله ومستقبل ذويه، وكثيرات هن اللاتي ترملن أو ثكلن أبناءهن، وما أكثر الأيام والأسابيع بل والشهور التي قضاها الآلاف وهم في انتظار السماح لهم بالمرور من شمال القطاع إلى جنوبه عبر حاجز محفوظة الرهيب..

وكم هم المرضى الذين أزهقت نفوسهم أو اشتد بهم الألم والمعاناة قبل أن يؤذن لسيارات الإسعاف التي تقلهم إلى المشافي بالمرور، وإذا انتقل الحديث إلى الإدارة المدنية فإننا نتذكر الاستلاب واللصوصية و(العمالة) نتذكر الدمار الذي أصاب قطاع الصحة وقطاع التعليم وقطاع التجارة والصناعة والزراعة، نتحدث عن مصادرات لا نظير لها لحريات المواطنين التي يأتي في مقدمتها حرية الحركة والتنقل، فعشرات الآلاف هم الممنوعون من السفر حتى لأداء فريضة الحج، والممنوعون من الالتحاق بجامعاتهم في الضفة الغربية، ليدخلوا الطالب في دوامات لا يستطيع منها فكاكاً إلا من ضحى بمستقبله، وإلا فالثمن (التعاون الأمني!!)..

وأما السجون ومراكز التوقيف والتحقيق فقد شهدت احتجاز مئات الآلاف الذين مارس عليهم الصهاينة كل صنوف التعذيب والإذلال والقهر، فمن سجن السرايا إلى أنصار حيث الحرمان من أبسط حقوق الأسرى، ناهيك عن المداهمات الليلية والاغتيالات والإعدامات الميدانية، وتهشيم عظام شبان في مقتبل أعمارهم... هو المشهد العام في قطاع غزة ، الذي لم يسلم منه بيت من أذى يهود.. وهو المشهد العام أيضاً الذي يعكس بسالة هذا الشعب، وإصراره على تحرير بلده وطرد الصهاينة المجرمين، فأشعلها ثورة ما أن يخبو جمرها أو هكذا يخيل للصهاينة حتى تشتعل و تزداد اشتعالاً ، وصولاً إلى الانتفاضة التي أقضت مضاجع المحتلين، وفجرت الأرض قنابل تحت أقدامهم...

هذا الشعب الذي تحول إلى سيف يقطع خواصر الاحتلال، وأصبحت المقاومة زاده وماءه وثقافته ، وأبدع من وسائل التأطير الإعداد والتدريب والهجوم ما بلبل أفكار الصهاينة وحطم خططهم واستراتيجياتهم، وأسقط حكوماتهم الحكومة تلو الأخرى، حتى شارون الذي كان يلقب بالبلدوزر فقد قضى شعبنا على مكانته وسمعته ومرغ تاريخه الإرهابي في الوحل، وها هو جيفة قذرة ملقاة على مزبلة تاريخ الجهاد الفلسطيني، ولعل تدمير حصن حردون الحصين في رفح وتدمير قلعة محفوظة العاتية ما يستحق أن يدرس في الأكاديميات العالمية كنموذج فذ لما أبدعه المقاوم الفلسطيني...

كما أن اختطاف جند الجيش الذي (لا يقهر) قد كشف زيف تلك المقولة الكاذبة والمخاتلة، حتى أصبح الذعر هو القاسم المشترك بين أفراد هذا الجيش وقياداته من كتائب القسام وسرايا القدس وكتائب المقاومة الشعبية، حتى من حجر فارس عودة... يمر شريط الذكريات هذا في الذكرى الخامسة لزوال الاحتلال عن أرضنا لينتقل إلى محيطها في حصار هو الأعتى والأظلم، الأمر الذي حفز عزائم هذا الشعب على أن يكسره.. وصولاً إلى تحرير الأرض الفلسطينية من نهرها إلى بحرها، ومن الناقورة حتى أم الرشراش..

لنردد... لك الخلود يا شعبي... والخزي والعار للمفرطين الذين يوشكون أن يذهبوا إلى المباشرة بين عشية وضحاها، ليجدوا لهم مكاناً على مزبلة تاريخ النضال الفلسطيني.