قدر لي أن أحصل على مجلة (فلسطين الثورة) العدد (867) الصادر يوم الأحد 10-11-1991 ولفت نظري عبارة (ديمقراطية الشارع الفلسطيني) مكتوبة على الزاوية اليسرى العليا لصفحة الغلاف، وباللون الأحمر، وفي الصفحة الثانية بعد الغلاف (فلسطين الثورة) وتحتها (الصحيفة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية) وتحتها (رئيس التحرير:أحمد عبد الرحمن) وتحتها (نائب رئيس التحرير المسئول:محمد سليمان، مدير التحرير:حسن البطل) ولقد صدر العدد إبان مؤتمر مدريد، ولقد جاءت الصورة الأولى بعد صفحة الغلاف لستة شبان يحملون في أياديهم العلم الفلسطيني ويتوشحون بالكوفية السوداء ، وتحت الصورة التعليق (شباب فتح في جنين 18/10/91 في الأيدي عوزي، والوجوه بلا قناع، ومنطقة جنين هي التي عناها جنرال العدو أمنون شاحاك بقوله أمام الكنيست:إسرائيل فقدت السيطرة على بعض المناطق) أ . هـ....
وعلى الصورة الثانية وفي نفس الصفحة جاء التعليق (الذين رقصوا على السطوح، هم الذين يرفعون أغصان الزيتون.. هم الذين سيرقصون في الشوارع ، صورة من رام الله 31/10/91 ) وقد التقطها مناحيم كاهانا – و . ص . ف . وأما العنوان الكبير للصفحة فجاء (غصن الزيتون وبندقية الثائر) وتحت العنوان (قال الفلسطيني ياسر عرفات ، أمام الجمعية العامة 1974 : جئتكم بغصن الزيتون وبندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي).
وفي خريف العام 1991 كان الفلسطينيون يلوحون فعلا ، وعلى أرض الصراع ، ببندقية الثائر وغصن الزيتون، "وفي آخر نفق الاحتلال هناك نور الاستقلال" وهنا سؤال وآخر.. ماذا بقي من الرشاش العوزي وبندقية الثائر لدى فتح ؟ وماذا جلب غصن الزيتون ؟ وماذا بقي من جنين التي وضعها الجنرال أمنون شاحاك في رأسه؟ والجواب بسيط : لم يعد هناك رشاش في يد ابن فتح ( في ظل منهج عباس ) موجه لصدر الاحتلال ، بل لصدر المقاوم الفلسطيني...
وأما غصن الزيتون فقد أمسى طعاما لعجول الصهاينة في مزرعة شارون ، وقد ورثه عن شامير وأورثه للسلسلة المجرمة انتهاء بنتنياهو ، أو أصبح كومة من حطب بعد أن جرف الاحتلال مئات الآلاف من أشجار الزيتون المعمرة، ليزرعوا بدلا عنها مستوطنات غير قابلة للتجريف، في ظل مفاوضات السلام التي يصر عليها عباس دون رادع من فتح ، بعد أن انخرست أقلام( فلسطين الثورة) التي تعكس ( ديمقراطية الشارع الفلسطيني !!)..
وأما ما بقي من جنين ، فإن الجواب يشل اللسان بالعلقم ، فلا الدار دار ولا الخلان خلا.. على الصفحة الرابعة يأتي العنوان ( الحوار الأمريكي – الفلسطيني الرسمي ضرورة لنجاح المفاوضات الثنائية ) وهذه كلمة الثورة التي مما جاء فيها ( بقدر ما كان انعقاد مؤتمر سلام الشرق الأوسط في قصر الشرق في مدريد يوم الأربعاء 30 تشرين أول ( أكتوبر ) سنة 1991 حدث من أحداث التاريخ المعاصر وللمجتمع الدولي... )..
وثم جاء ( ...... وإذا تقابل الوفد الفلسطيني والوفود العربية الأخرى مع الوفد الإسرائيلي تحت قبة صالة الأعمدة .......) ( فإنه في "قاعة الاجتماعات" في "قصر بارسنت" ، جلس "الإسرائيلي" مع "الفلسطيني" رسميا لأول مرة في تاريخ القضية الفلسطينية بتكافؤية ومساواة كاملين (بغض النظر عن الشكليات ) وذلك للتفاوض المباشر بشأن كيفية تحقيق السلام الشامل والعادل والدائم الذي يجب أن يضع حداً لمآسي وعذابات شعوب المنطقة ، ويصوغ نهاية لمعارك الحروب العسكرية التي تتواصل على مدى الخمسين سنة الماضية .....) ثم حديث عن أن الوفد الفلسطيني قد قالوا ( جديدا ) أمام العالم، في حين أن الإسرائيليين ( فهم للأسف لم يأتوا بجديد ، وكان حديثهم بشهادة العالم أيضا عن ( الماضي ) وعن ( الماضي السحيق الأغوار في القدم ) فبرهنوا بذلك على أنهم لا يعيشون هذا العصر ، ولا يتحسسون روح العصر...
ومن اللحظة الأولى ( صفحة 5) ( لقد أعلنت (إسرائيل) عزمها على عدم الانسحاب من الأرض، والاستمرار في سياسة الاستيطان، حتى عندما وافقت على مؤتمر السلام وما يتصل به من إجراءات كالمفاوضات الثنائية ) على رغم ما يؤكده المؤتمر بأن الأساس الذي ينعقد من أجله المؤتمر هو تحقيق عملية السلام ، وفق قراري مجلس الأمن ( 242) و ( 338 ) ثم وبكل ديمقراطية الشارع الفلسطيني ( ولذا فإن الأرض هي موضوع التفاوض الرئيسي من أجل السلام ، وبدون الانسحاب منها لن يكون هناك سلام دائم )...
وبديمقراطية أفصح ( ولكن حضور إسرائيل مؤتمر السلام والانخراط في المفاوضات المباشرة ، وفق قراري ( 242) ,( 338 ) كإطار لهذه المفاوضات وما استتبع هذه العملية الإجرائية من اعتراف متبادل بغض النظر عن الكيفية التي أعلن بها ، فهذا يعني أن الخطوة الأولى لإعلان الرغبة في التعايش السلمي قد تحققت وهي إنجاز كبير على صعيد السير قدما نحو تحقيق السلام ) وهناك أكثر من سؤال؛ لماذا رقص الراقصون ؟ وما الداعي للاعتراف بإسرائيل كدولة مقابل الاعتراف بمنظمة (!!!!!) كسر الاعتراف شوكتها وأفرغها من مضامينها ، وقضى على أهدافها وما هو الإنجاز الذي تحقق ! وما الدليل على نية (إسرائيل) في التعايش ؟ أما أعلنتها منذ اللحظة الأولى أنها لن تنسحب ولن تتوقف عن بناء المستوطنات ؟ هذا الفهم الذي استقر في رأس القيادة الفلسطينية وصاغته ( كلمة الثورة ) .. ألا يستحق كل ذلك مراجعة مع الذات ؟
إنني أدعو الأكاديميين والباحثين والقانونيين وكل المثقفين أن يعودوا لهذه النصوص، بل للعدد كله للوقوف على حجم الجريمة التي اقترفت بحق الشعب الفلسطيني تلك التي تسمى (مسيرة السلام).. وسأعود للنصوص..

