إن ما صرح به أحمد قريع من "أن تسعة عشر عاما مرت دون إغلاق أي ملف، وأن زمن انتصارات فتح قد ولى منذ رحيل ياسر عرفات " يطرح قضية هامة جدا على الشعب الفلسطيني حيثما وجد، وعلى فتح على وجه الخصوص..
وتكتسب أهميتها من كون أحمد قريع أحد القيادات التاريخية لحركة فتح ، والمقرب جدا إلى عهد قصير من عباس، ومن عرفات من قبل وقد رأس الحكومة الفلسطينية للرجلين ، وهو أول من صافح إسرائيلياً ( أوري سبير ) في ( أوسلو ) وقاد مفاوضاتها لسنوات ، وهو الذي تصدى لأي تنظير ضد المعارضة الفلسطينية وفي مقدمتها حماس، وهو أحد القلائل الباقين من آباء م. ت. ف...
فأبو علاء ليس اسما لرجل نكرة في حركة فتح ، وبقي لسنوات أحد أهم الشخصيات الذين أمسكوا بمفاتح خزنة (صامد ومؤسسة القدس الاستثمارية) اللتين لم يعرف أين ذهبت ملياراتها!! وهو الخبير الاقتصادي المخضرم والمحنك، وإذا سلمنا بأن الكلمات تكتسب أهميتها من أهمية قائلها، فإن لكلمات قريع أهمية كبيرة كبيرة؛ لأنها تتضمن اعترافاً يلجم كل المدعين على أن تقدما أحرزته المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية هنا أو هناك، حتى وإن صدر من بعض الشخصيات المرتبطة بالمشروع الصهيوني والمحسوبة، بل وقيادات في حركة فتح وفي م. ت. ف، وتدمغ من يدعي التقدم بالكذب والتضليل، والنفاق السياسي ، كما أنها شهادة إدانة لهذه المفاوضات التي يتمسك بها محمود عباس؛ أملاً في أن تتصدق عليه (إسرائيل) بدولة، وشهادة إدانة لقيادة عباس لـ م . ت . ف يمكن أن تضعه في القفص لإضاعته هذه السنوات الطوال التي تمثل جيلا بالكامل، في عبث لم يكن من ورائه من طائل إلا المكاسب الشخصية...
وأما في الجانب الإسرائيلي فقد مكنتهم من الأرض فابتلعوها، ومن المقدسات فأحاطوها (بأنشوطة) المشنقة، ومن مقابر الشهداء والصالحين فجرفوها ، كما حدث أول من أمس في مقبرة مأمن الله (بالقدس), وحتى أمسى المسجد الأقصى في حكم المنتظر لتنفيذ الإعدام، كما أنتجت ميلشيات تتحدث باللهجة الفلسطينية بلكنة عبرية, وقلب شقه الأيمن من السي آي إيه، والشق الأيسر من الموساد أو الشاباك، يحترف تسليم المطاردين للاحتلال واعتقال المجاهدين، وتعريضهم لأقسى أنواع التعذيب المفضي إلى الموت، فضلاً عن الإذلال والتغول على المؤسسات والجامعات، حتى أساتذتها كما جرى في جامعة النجاح، وتلاميذها كما جرى للكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت, ثم بلا حياء يختطفون الأسرى المحررين من حماس فاختطفوا ثلاثة منهم في الخليل ، وثلاثة من وجهائها واثنين من أنصار حماس ، بدعوى أن الثمانية يقومون بأعمال تخريبية للحلم الفلسطيني والأمن الفلسطيني !! أحمد قريع يقول هذا توصيفاً، دون أن يقترح على حركته حلا لهذا العبث الذي أضاع تسعة عشر عاما من أهم أعوام القضية الفلسطينية وأكثرها (دراماتيكية) لما استثمرتها (إسرائيل) في تعزيز وجودها الاستيطاني والقضاء على المقاومة ، وتأكيد يهودية القدس ، كمقدمة هامة جدا لتأكيد يهودية الدولة والتي تجد تفهما من محمود عباس وفريقه.
يصرح قريع بذلك في الوقت الذي نبذته فتح في انتخاباتها المفبركة من الصفوف الأولي لقيادتها ، فصار مثله كمثل الثعلب الذي عجز عن الوصول إلى عناقيد العنب فقال : إنها حصرم !! نعم هي حصرم ولا شك ، ولكن أن يقولها من قصرت ذراعه عن الوصول إليها فهذا يستوقف العاقل...
وأما الشق الثاني من التصريح فهو "أن زمن انتصارات فتح قد ولى منذ رحيل ياسر عرفات" فإنه يحتاج إلى تعديل طفيف ، فإن زمن انتصارات فتح قد ولى منذ أن اعترفت فتح بالدولة العبرية، ودخلت بيت الطاعة الإسرائيلي الأمريكي ، ومنذ أن وقفت فتح في وجه المقاومة خصما؛ بيدها الكرباج والسيف والمشنقة ، وفي يدها الأخرى رغيف العيش ، بينما هي جالسة على منصة القضاء ، فضاعت كحركة تحرر، وأضاعت القضية التي طالما تغنت بأنها الأحرص عليها، والتي قدمت لأجلها مئات الآلاف من الشهداء, لتؤول فتح إلى حفنة من القيادات المراهقة يتصدرهم عباس الذي لم يؤمن يوما بالمقاومة الفاعلة كوسيلة تحرير ، وما أن لاحت له أول فرصة حتى هشم البندقية على رأس المقاوم حتى وإن كان فتحاويا ، لقد ولى زمن الانتصارات منذ المغازلة غير البريئة, وغير العفيفة التي بدأها فريق أوسلو قبل أوسلو بأعوام، تحدث عنها عباس في كتابه ( الطريق إلى أوسلو ) منذ ما يزيد على الثلاثين سنة...
وبقي أن نسأل أحمد قريع ... هل لتشخيصك هذا من أهمية إن لم يرتكز على برامج عمل جاد لتعويض الشعب الفلسطيني عما أضاعته فتح ، وعلى يد أحمد قريع من أعوام عجاف ، وما خسرته فتح من تاريخ وانتصارات .. وإلا فليبلع أحمد قريع كلماته حتى لا تؤذينا رائحتها..


