كثيراً ما نختلف وننسب الاختلاف إلى سوء تفاهم، والذي يتبادر إلى الذهن أن الاختلاف ما كان إلا بعد أن بذل المتخاصمان جهوداً مضنية في الحوار البنّاء بقصد أن يقترب كل منهما من الآخر، فيلتقيا في منتصف الطريق أو ثلثه أو ربعه مثلاً، دون أن يتمترس أحدهما في مكانه، مما يمكن تسميته بالتنازل، فيتنازل كل منهما للآخر فيرضى بجزء مما يعتقد أنه حقه؛ قلّ أو كثر، وكذا يفعل الآخر...
وغالباً ما يتدخل الحكماء في تقريب وجهات النظر فيما يسمى (بجسر الهوّة) بين الفريقين، فإن توفرت نية الاقتراب وإرادة الصلح كان، وإن لم يتوفر من ذلك شيء ولو عند أحد الطرفين فلن يكون..
كل هذا صحيح ولكن ليس في كل الأحوال !! فليس من هذا الباب أن يتقارب لص مع صاحب المال الذي سرقه ذلك اللص، ومن الظلم أن يأتي الحكماء ليطلبوا من المسروق ماله أن يتنازل عن حقه أو جزء منه قلّ منه أو كثر، ولو طلبوا لطلبوا ظلماً، ولا يقتصر وقوع الظلم على صاحب المال بل يتعداه إلى كل من وقع عليه الاعتداء مهما كان الاعتداء، وحيثما كان، إذ يجرئ اللصوص فيتمادون في لصوصيتهم، ونفوسهم مطمئنة (للحكماء) الذين سيسعون في تقريب وجهات النظر، ليتنازل هذا عن بعض ما سرق وذلك عن بعض ما سرق منه، وليس هناك أعدل من تمسك صاحب الحق بحقه، ولا يتنازل عنه قط ولا يكون بذلك متعسفا قط، ولا عدمياً قط، كما أنه لا أعدل من أن يتضافر الحكماء جميعاً في جانب صاحب الحق ليأخذ حقه، وبذا يردون اللص خائباً فلا ينال إلا العار والشنار، ويردع من تحدثه نفسه بالافتئات على حقوق الناس، ولا أظن أن هناك من يجادل في هذا، وإلا فقد فَقَدَ الرشاد، وأهلية الحكم!! وهذا حالنا و(إسرائيل) كطرفي خصومة وحال الجامعة العربية...
فـ(إسرائيل) قد سرقت حق الشعب الفلسطيني في أرضه وممتلكاته وبيته وحياته وولده، سرقت أمنه ومستقبله، سرقت حريته ومقدساته، سرقت علاقة الفلسطيني بالعالم، كما سرقت حقه في الدفاع عن نفسه، ولا يعقل بحال في هذه الحال أن تطلب الجامعة أن يتنازل شعبنا عن المطالبة بحقه فضلا عن حقه، كما لا يعقل أن تحول بينه وبين أخذه ولو بالقوة، ولا يعقل أبدا أن تدعم من تنازل أو من لديه القابلية لأن يتنازل، خاصة وأنها توقن أن (إسرائيل) معتدية ظالمة مارست كل أنواع اللصوصية وقطع الطريق والحرابة!! ولا يعقل أبداً أن ترضى الجامعة الدنية لشعوبها، وهم الذين يحتلون أعز مكان، ويملكون كنوز الأرض والبحر والسهل والجبل، وهم يمثلون حزاماً بشرياً يمثل الشباب فيه أكثر من 60%...
إن المبررات التي يسوقها المتنازلون ومن لديهم القابلية للتنازل، والذين يدعمون، إنما تصب في خانة (إسرائيل) فتقوي ذراعها الذي ستمده – حتماً – إلى مزيد من السرقة وقطع الطريق، والنهب، والسلب، وقبض أرواح ما يزيد على 60% من شعبنا، كما أن التبرير بأن أمريكا تمارس الضغط حتى الابتزاز (حسب حنان عشراوي وصائب عريقات) وأنها هددت بعزل السلطة، وأن مشروع منحها دولة مهدد بل ستتخلى عنه أمريكا، وأن رواتب رام الله ومن يحوم حول حماها حتى من المفسدين لن تصرف، لأن أميركا ستقبض يدها، ولأن ولأن...
فهذا من الظلم والعجز والهوان الذي قد يصل إلى حد الخيانة ، فما المطلوب أكثر من مزيد من التشبث بالحق؟، ولا يبدي صاحب الحق أي همسة أو نأمة تفهم منها (إسرائيل) أن لديه النية أو الاستعداد للتنازل، لتتأكد أمريكا أن حقنا ثابت، ولا نية بالتنازل عنه، فإذا قبضت يدها، قبضنا على الزناد، ولتشتعل مقاومة لا يهنأ أمامها صهيوني بمكان أو زمان، ليأخذ عباس من الحركة الصهيونية درساً، فقد وصلت إلى ما تريد رغم باطلها ولصوصيتها، ولم تتنازل عما تعتقد أنه حق لها على مدى عشرات القرون، وليأخذ درسا آخر من آلاف الشهداء الذين قدمتهم (فتح) دون أن تحدثهم نفوسهم بالتنازل، ومضوا وهم ينشدون (ما بنتخلى عن رملة) و(مش منا أبداً مش منا) و(طل اسلاحي من جراحي يا ثورتنا طل اسلاحي)، وأتمنى أن يكون نتنياهو كاذباً فيما أعلنه من أن المباشرة ستبدأ في منتصف آب/ أغسطس الحالي..
