يكفيك مهاجمة للسلطة الفلسطينية، بدنا نعيش! هذا ما قاله لي أحد المتقاعدين برتبة لواء في مدينة خان يونس، وأضاف: أنا أتقاضى راتباً شهرياً يصل إلى ثلاثة عشر ألف شيقل، "ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار أمريكي" شهرياً، هل تحسدوننا على ذلك؟ أنا أنام ملء جفوني عن الشارد من فلسطين وعن الوارد إليها، وأصفق لرئيس مجلس الوزراء السيد سلام فياض، أدامه الله، وأبقاه لنا ذخراً، وحفظ لنا الرئيس محمود عباس!...
أنا أسبّح بحمدهم، وأشكر فضلهم! لقد كنت جائعاً فشبعت من خيرهم، كنت فقيراً فاغتنيت من مالهم، كنت مقطوعاً فاتصلت بفضلهم، والله لو تحررت كل فلسطين، وعدت لقريتي، وعادت لي أرضي التي هجرت منها لما ربحت هذه المبالغ، والله لو كان لي أرض مساحتها مائة دونم لما ربحت منها ما أتقاضاه من راتب، أنا أعيش حياة أمراء النفط، وملوك أوروبا في الزمن الصليبي، لا تحدثني عن فلسطين، وعن المقاومة، وعن حق العودة، لقد عدت إلى قريتي، وعادت لي حقوقي وأنا أعدّ المبلغ في البنك، وأعترف أمامك أنني عملت مدرساً في الخارج، ولم أذق مثلكم مرارة السجن، ولم أطلق رصاصة واحدة على سياج (إسرائيل)، ولكنني دبرت نفسي، ومن خلال الأصدقاء صرت عقيداً، ثم عميداً، وتقاعدت على رتبة لواءً وهذا ليس غريباً...
فقد جرى توزيع الرتب العسكرية، والدرجات الوظيفية وفق الهوى والصداقات، وهذا ينطبق على آلاف الرتب العسكرية، الذين يتقاضون الآن آلاف الشواكل الشهرية، خذ مثلاً صديقي هذا الذي تقاعد على رتبة عقيد، ويتقاضى راتباً شهرياً قرابة عشرة آلاف شيقل "ألفان وخمسمائة دولار" تطرق باب بيته مطلع كل شهر! صديقي هذا كان عاملاً في (إسرائيل)، وظل ملتزماً بكيس النايلون الذي يحمل فيه عدة العمل حتى جاءت السلطة الفلسطينية، فصار ضابطاً في المخابرات، وبعد أقل من عام صار نقيباً، ورائداً...
وفي غضون عام آخر صار مقدماً، ليتقاعد اليوم على رتبة عقيد، وهو يعيش في نعيم السيد رئيس الوزراء سلام فياض! لولا فياض لما فاضت علينا الأموال، ولما انتفخت جيوبنا، هذه نعمة، ورزق ساقه الله لنا، إنها الأرض المباركة، يأتيها الرزق من حيث لا نحتسب، والفضل كل الفضل للفياض سلام فياض، فهل تريدنا أن نهجر العز والفخفخة، ونجري وراء مجانين المقاومة، ونحارب (إسرائيل)، ونعادي أمريكا؟ أي هلوسة هذه؟ وماذا ستعطي المقاومة لنا لو انتصرت أكثر مما في أيدينا، هل نبيع الحاضر المضمون بغائب يكلف دماً وتضحية وعذاباً؟.
لقد ساعدني سيادة اللواء المتقاعد في العثور على جواب لسؤال حيّر الناس: لماذا تنفق الدول المانحة على الموظفين الفلسطينيين القاعدين في بيوتهم بلا عمل، وتنفق على العسكريين المتقاعدين، بينما تحاسب بشفافية موظفيها لو تأخروا دقائق عن موعد الدوام؟.


