قبل يومين احتفلت الكثير من الأسر الفلسطينية باجتياز جيل عتبة الثانوية, واعترى بعض الأسر شيء من الحزن لإخفاق بعض أولادها في الاجتياز... وهذا من المألوف لدى كل شعوب الأرض, وفتحت الجامعات أبوابها للوافدين الجدد, وهذا من المألوف أيضاً, إلا أن الجامعة الإسلامية تجاوزت –كعادتها- المألوف؛ بأن افتتحت – أيضاً- قناة الكتاب الفضائية, لتلحق بركب النهضة العالمي المتميز. يقف خلف هذا العمل رجال يتسمون بالتميز؛ في تفكيرهم وتطلعاتهم وإحساسهم بالمسؤولية, وقدرتهم على اتخاذ القرار.
وقد اجتمعت هذه المقومات لفريق يأتي في مقدمته م.جمال الخضري، رئيس مجلس الأمناء, المسكون بهم الجامعة؛ تطويرها مبنى ومعنى في صحوه وحتى إذا غفا, يبدو في سعادة (عريس) إذا تقدمت, وبكى بغزارة عندما حرق بعضها (مغول العصر), ورأته الدنيا كجندي فقد قائده الشجاع في معركة شرف عندما قصفها الصهاينة, فأحكم قبضته على سلاحه, وأصبعه على الزناد, بإباء وفخر وثبات...
هي نفس الملامح التي بدت على وجه د. محمد شبير، الرئيس السابق للجامعة, ومن ستشهد له الجامعة بأنه كان من أخلص بنائيها، وهي نفس الملامح التي تميز د.كمالين شعث الرئيس الحالي, الذي اتسم بدقة (المهندس) في كل شيء؛ في قياساته, وإبداعاته, وتصوره, ودقة إدارته. وليس عنهم أ.خالد الهندي ببعيد، وقد شكل هؤلاء الأربعة منظومة متناسقة من العمل الدؤوب, والتخطيط الواعي, والتنفيذ الرائع, ومن هنا جاءت فضائية (الكتاب) , التي سبقوا بها الجامعات الفلسطينية,بل والجامعات العربية, التي لا أعلم –فيما أعلم- أن واحدة منها لها قناة خاصة, وهذا يلقي على (الكتاب) تبعات:
أولاها: أن تنأى بنفسها عن المناكفات السياسية, بل تقدم السياسة كعلم وتاريخ وفلسفة, لتسلط الضوء على مناهجها ومشاربها وأساليبها.
ثانيها: أن تقدم الفتوى الأيسر لا الأحوط, المعتمدة على الدليل الراجح, المحققة لمصلحة المستفتي, وترفع عنه الحرج والمشقة مع مراعاة الحال والمآل, دون غلو مع التزام أعلى درجات أدب الاختلاف.
ثالثها: في كل بيت كتاب, وهذا لا شك فيه, ولكن القليل من يصنع المعرفة, فليكن هدف القناة هو تدريب المتلقي لصناعتها, ولا يكون ذلك إلا بإرشاده إلى كيفية البحث عن المعلومة الحقيقية, وفي هذا فإن شعبنا في حاجة إلى الكثير الكثير لتذويب ما يعانيه من دواعي التعصب أو التقليد الأعمى.
رابعها: لا يجادل أحد في أن أمية الثقافة عيب كبير, لما لها من دور في الوقوع في الغرور والتعالي, وخاصة عند حملة الدرجات العلمية العالية؛ مما يحتم على (الكتاب) تحديث ثقافات المتعلمين على وجه أخص, بمتابعة كل جديد في مجالات تخصصاتهم, للارتقاء بمستوياتهم, لما يمثلون من مصادر معلوماتية ضرورية لصناعة المعرفة والثقافة, إذ من العيب جداً أن (بروفيسوراً) في تخصص ما يقع في أخطاء لا يقع فيها تلاميذه .
خامسها: أن تسهم كل كلية في تقديم المعلومة (للشعب) في أبسط صورة وأيسر أسلوب؛ فالمريض (مثلا) في حاجة إلى أن يعرف كل شيء عن مرضه, فهناك الآلاف من مرضى السكر والضغط والقلب والربو.. فالمريض مريض, ومن يلازمه مريض به, فإن توفرت له المعلومة فقد حققت القناة الغاية منها.
سادسها: إن الشعب الفلسطيني هو الأقل معرفة بتاريخه وجغرافية وطنه واقتصاده ومصادر ثرواته, وآثار الأمم التي حكمته, ومواطن الجمال فيه, وهذا مرض يجب علاجه ببرامج يعدها المتخصصون الأكفاء غير المنغلقين.
سابعها: إن عادات شعبنا وأعرافه وتقاليده, والتي شكلت شخصيته, وصقلتها تعاليم الإسلام مهددة بثورة الاتصالات ووسائلها, وهذا يحتم على (الكتاب) أن تولي هذا الجانب عناية فائقة, مع مراعاة تجنب الأسلوب الوعظي الخطابي المباشر, من غير تشنج وتسخيف وازدراء, ولكن بالنموذج القدوة.
ثامنها: من المؤكد أن تولي (الكتاب) الطالب كل اهتماماتها بتزويده بأخبار الجامعة؛ قانونها وندواتها ومهرجاناتها وبراءات اختراعاتها ورسائلها الجامعية وأساتذتها وزوارها... ليكونوا على اتصال معها سواء كان داخلها أو خارجها.
وأخيراً, كل التقدير والاحترام للمبدعين الكبار جمال الخضري وكمالين شعت وخالد الهندي, وكل التحية لمحمد شبير, وكل مخلص وحريص, وإلى الأمام (جامعتي) و (للكتاب) أمنياتي بالتوفيق.

