أولاً وأخيراً الحمد لله رب العالمين على ما تفضل به، و أنعم على هذا الشعب الصابر و المصابر من صلابة الإرادة و قوة اليقين على التحدي ، و قهر مخططات التجهيل و مكائد المنحرفين لإغواء جيل عن بلوغ غاياته بإغراقه في اللهو و الفساد ، و ها هو الجيل يرفع رأسه إلى المعالي ليقول : لن تعيقنا الاجتياحات و لا التجويع و لا الحصار عن الوصول .
و يقول : إننا على الحق و به مستمسكون ، فلن تفتر لنا همة و لن نتخاذل ، و لن يفلت منا الزمام ، و يقول: إننا ندرك أن الصراع لا يحسمه إلا من أخذ بأسباب النصر و في مقدمتها العلم ، و ما الجهل إلا مقبرة الشعوب و الثورات و النهضة. و يقول : إننا ندرك أن الصهاينة ما تفوقوا على أمتنا في حروب متعاقبة إلا به ، بينما أنظمتنا قد أغرقت شعوبها في اللهو و ترك البحث و العمارة الحقة في الصناعة و الزراعة و الهندسة و الطب و العلوم الإنسانية ، فهاجر النابهون و النوابغ، و تلقفتهم أيدي الغرب من أمريكان و ألمان و إنجليز و فرنسيين.
يقول: إننا ندرك أن أمماً قد لحقت بالركب بعد أن كانت من العالم الثالث أو الرابع أو أكثر بعد أن أخذت بالعلم مركباً ؛ تركيا ، الهند ، الصين ، ماليزيا ، فنلندا ، إذن فليس من المستحيل أن نصل ونلحق . ويقول : إن تاريخ أمتنا يشهد بأنها كانت سيدة الدنيا يوم أن كان العلماء هم السادة ، وما تخلفت إلا من يوم أن تخلف العلماء وانزووا أو أودعوا غياهب السجون ، وأما نحن فقد عقدنا العزم على المضي قدماً في درب أولئك العظماء الخالدين .
ظهرت نتائج الثانوية وقد نجح 85.8% من القسم العلمي في سابقة لم تحدث من قبل رغم الإجرام الصهيوني ، ورغم فضائيات الفضائح وبرامج المجون الخمسمائة ( العربية !!! ) رغم مواقع الفجور على الشبكة العنكبوتية ، ورغم المخدرات وأسباب الغواية ، ومن هؤلاء الناجحين من تحصّل على الدرجات النهائية إلا خمسة أعشار من الدرجة الواحدة . أليس هذا إعجازاً من شعب هذا واقعه ، بل ويبشر بميلاد جيل من العلماء والبحاثة .
ظهرت نتائج الثانوية وقد نجح 60% من القسم الأدبي، وأيضا في سابقة لم تتكرر إلا قليلا تنبئ عن ميلاد جيل من الحكماء والشعراء والأدباء والفلاسفة والمؤرخين ، سنرى من بينهم يوما أبا سلمى ، وإبراهيم طوقان ، وعبد الرحمن بارود ، وسنرى من بينهم عبد الوهاب المسيري ، وفدوى طوقان ، وسميرة أبوغزالة .
فحمدا لك ربي على هذه النعمة التي أسبغتها على شعبي الأبي ، الذي انتصر في هذه المعركة وأثبتت الأسرة الفلسطينية أنها خير محضن وخير منجب؛ بصبرها ، وثباتها ، وصدقها ، وتحديها .
وهناك آخرون لم يحالفهم الحظ ، وهذه سنة من سنن الكون ، فليراجعوا الأسباب لتلافيها ، وليضعوا نصب أعينهم أن الإخفاق ليس عيباً ولكن تكراره هو العيب ، أقول لهم : أنتم – بعد – في أوائل الطريق ، فلا تركنوا ولتجعلوا من الإخفاق منطلقاً للنجاح ( فلكل جواد كبوة ، ولكل سيف نبوة ، ولكل عالم هفوة ) ثلاث جمل تعلمناها من أساتذتنا وآبائنا ، ولا شك أنكم تحفظونها ، ولتكونوا على يقين بأن كبوة الجواد لم تجعل منه حمارا أو بغلا فهو جواد ... إذا بادر إلى النهوض وواصل الانطلاق ، ونبوة السيف لا تجعل منه عصا إلا إذا أمسكت به يد جبان، فلتكونوا في شجاعة الفاتحين ، ولتتذكروا أن سيوفهم قد نبت مرة ومرة، ولكنهم حققوا النصر والتمكين بمواصلة الجهاد .
كما أن هفوة العالم لا تجعل منه جاهلاً إلا إذا ترك البحث والدرس والكتاب ، وهام على وجهه في منزلقات اللهو والعبث واستسلم لليأس .
أحبائي .. قضيت من عمري إحدى وأربعين سنة في التعليم، صعد فيها من صعد ، وسقط فيها من سقط ... أنظر إلى الفريق الأول فأراه في المعالي، وأما الفريق الثاني فتملؤني عليه الحسرة ، فاختر لنفسك أين تكون
أبارك للناجحين وأتمنى النجاح لمن أخفق ..
