غزة والضفة جزءان لا ينفصلان، مرتبطان بفلسطين التي لا تقبل القسمة أو التجزئة، وهما كالجزء من الجسد لا حياة لهذا الجزء دون الجسد، وغزة والضفة لا ينفصلان عن بعضهما البعض سواء سَرَح ليبرمان بخياله المريض بعيداً، أو حاول البعض الفلسطيني تعزيز الانفصال من خلال تغذية الانقسام، ورفض المصالحة الوطنية على أساس من الثوابت الفلسطينية؛ وليس استجابة لشروط الرباعية، أو الضغوط الأمريكية.
إذا أراد ليبرمان وزير خارجية الاحتلال أن يقدم خططاً أو مقترحات عليه أن يدرك أن غزة ترفض الوصاية، وترفض الاحتلال، وترفض التبعية، وفي نفس الوقت لا ترى في نفسها أنها جزء منفصل على الضفة الغربية، وكلاهما لا عيش لهما دون فلسطين، وإن حصل عيش بعيد عنها بشكل طارئ فهو مرحلي تمهيداً لعودة الروح إلى الجسد.
خطة ليبرمان المطروحة عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية نادت بها (إسرائيل) ليس اليوم، بل من سنوات مضت وبأشكال مختلفة، وغذت هذه الفكرة في تشجيع الانقلابيين على الشرعية، وساعدها في ذلك أمريكا وبعض الأطراف العربية، لان هؤلاء هم من وقفوا خلف الانقسام وزودوه بكل الدعم المادي واللوجيستي والفني، وما زالوا يغذون هذا الانقسام عبر الجنرالات الأمريكيين دايتون ومن ثم مولر، ومن خلال الوقوف في وجه إتمام المصالحة الفلسطينية الفلسطينية.
إذا كان ليبرمان يعتقد أنه بهذه الخطة يمكن رفع مسؤولية الاحتلال عن قطاع غزة ، أو أن بمقدوره إلقاء حِمْل غزة على هذه الجهة العربية أو الدولية،أو يمكنه تقديم الإغراءات لحركة حماس على الانفصال عن الضفة وفلسطين، فهذا وهم تعيش عليه (إسرائيل) وليس ليبرمان وحده.
فقطاع غزة جزء من وطن كبير اسمه فلسطين المحتلة، هذا الجزء لا يقدر على العيش بدون فلسطين، أو بدون الضفة الغربية، وأن الدعوة الإسرائيلية هي محاولة لإلقاء غزة في حجر مصر تمهيدا لضم الضفة الغربية بما فيها القدس بالكلية إلى دولة الاحتلال، كما يطرح موشي آرنس أحد قيادات الليكود سابقاً ووزير حرب وشئون خارجية في حكومات (إسرائيل) السابقة، هذه المحاولات الإسرائيلية نهايتها الفشل مثلها مثل غيرها من المشاريع الإسرائيلية المتعددة، كالخيار الأردني، أو الحكم الذاتي، أو خطة أيالون، وروابط القرى وغيرها الكثير، وجميعها تحطم على صخرة صمود وثبات الشعب الفلسطيني.
ولو كانت (إسرائيل) بالفعل تريد التخلص من القضية الفلسطينية، وأعباء الاحتلال، عليها أن تقدم على الخطوة الأولى وهي الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967، وأن تترك الشعب الفلسطيني يقيم دولته على هذا الجزء من فلسطين كحل مرحلي مع هدنة طويلة يتم الاتفاق عليها بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بوساطة دولية، والخطوة الثانية هي عودة فلسطين إلى أهلها الذين طردوا منها على مدى العقود السبعة الماضية، أما الإسرائيليون فلا عيش لهم على أرض فلسطين المغتصبة، وليذهب كل واحد منهم من حيث أتى، ومن كان من سكان فلسطين سيبقى فيها يهودياً فلسطينياً وله ما لكل الفلسطينيين من حقوق، وعليه ما عليهم من واجبات، هذا هو الحل للقضية الفلسطينية، وهذا ما يجب أن تكون عليه كل الحلول السياسية.
فلا سياسة التخلي عن غزة والتعامل معها على أنها جسم منفصل، أو إقليم قائم بذاته، أو من خلال ضم الضفة إلى دولة الاحتلال، أو إلقاء غزة في حجر مصر، والضفة في حجر الأردن، أو من خلال مشروع التصفية الأمريكية للقضية الفلسطينية وحل الدولتين اليهودية القوية المسيطرة، والفلسطينية التابعة والهزيلة وحامية أمن الدولة اليهودية، فكلها مشاريع فاشلة؛ ولن تحقق سلاما، لأن السلام المزعوم والقائم على اغتصاب الأرض وسلب الحقوق ليس سلاماً، أما السلام الحقيقي هو من يعيد الحقوق إلى أهلها، السلام هو الذي يحقق عودة شعب شرد على مدى عقود سبعة مضت، السلام هو إنهاء الاغتصاب لأرض لها شعب ولها حضارة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ.

