قد يستغرب البعض من هذا النداء الموجه إلى الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ممثلة بوزارة الداخلية كونها الجهة التي تتولى حفظ النظام وفرضه حمايةً للمواطن والوطن، ولكن ما سنتطرق إليه ليس أمراً شخصياً، أو بهدف التضييق على الناس؛ ولكن من أجل أن نبدو أكثر تحضراً، وأن تكون حياتنا أكثر تنظيماً.
من حق كل إنسان أن يفرح، وأن يعبر عن فرحته بالطريقة التي يراها مناسبة طالما أنها لم تتجاوز حدود الشرع، والذوق العام، ووفقا للقانون، ودون التعدي على حقوق الآخرين، وفي الصيف يقولون يحلو السمر، وفيه تكثر الأفراح وحفلات الزواج، هذا حفل إسلامي، وذاك حفل موسيقي، وثالث حفل شبابي، وهكذا كل واحد يسمي حفله بالطريقة التي يريد، ويجلب الفرقة الفنية أو الموسيقية التي يحب، المهم أن يعبر عن فرحته.
صحيح أن من حق كل مواطن أن يدخل الفرح والسرور إلى نفسه وأهله وأصدقائه؛ ولكن هل هذه الحرية مطلقة وبلا قيود أو ضوابط؟ لأن الحرية المطلقة فوضى مطلقة، ولا بد من ضبط هذه الأمور، وأن يتم تحديد مجال هذه الحريات الخاصة أو العامة، فحريتي تتوقف عند حريات الآخرين، لأنه لا يجوز أن أمارس حريتي كما أريد ولو أدى ذلك إلى الاعتداء على حريات الآخرين.
ونداؤنا إلى وزير الداخلية هو أن يتدخل عبر وزارته وأجهزته لتقنين الحفلات التي تجري في القطاع وخاصة تلك التي تنصب في الشوارع العامة، أو الفرعية والتي باتت اليوم تشكل تعدياً على حريات الناس وتقتحم عليهم بيوتهم ومضاجعهم مما يمارس فيها من موسيقى أو أصوات للميكروفونات الصاخبة على مختلف مسميات هذه الحفلات.
ولابد أن تعمل الحكومة على تنظيم هذه الحفلات، ووضع أمور تضبط هذه الفوضى التي تتيح لأي فرد من المجتمع أن يغلق الشارع، وأن يرفع أصوات الميكروفونات بالطريقة التي يريد ، وهذا فيه من الضرر العام والضرر الخاص، فإغلاق الشوارع يؤدي إلى إرباك في حركة المرور وحركة الناس، حتى وإن كان في الليل أو في الشوارع الفرعية ، وفيه أيضا تعدٍ على حريات الناس وخصوصياتهم من خلال الإزعاج الذي تسببه هذه الأصوات المنطلقة من هذه الحفلات.
وأنا هنا لا أدعو إلى تضييق الحريات أو اتخاذ ما يمنع إقامة هذه الحفلات؛ ولكن التنظيم الذي أدعو إليه وزير الداخلية والحكومة الفلسطينية أن تتخذ من القرارات والإجراءات التي تمنع إقامة مثل هذه الحفلات في الشوارع العامة، والأماكن المفتوحة، وأن تفرض الوزارة على كل مواطن أن يفرح بالطريقة التي يريد وبالشكل الذي يتناسب مع فكره ومعتقداته طالما انه لم يتجاوز حدود الشرع؛ ولكن الحفلات يجب أن تقام في أماكن مغلقة، كصالات الأفراح ، أو صلات النوادي الرياضية المغلقة أو قاعات المراكز الثقافية.
هذا الإجراء المفترض أن تُقدم عليه وزارة الداخلية سيؤدي إلى الحفاظ على الحريات العامة والخاصة، وفيه تحقيق مظهر حضاري للمجتمع الفلسطيني، ونحافظ على خصوصيات الناس ونضع حداً لاقتحام البيوت، أو المستشفيات، وفيه يرتاح المريض ويخلد المتعب إلى فراشه دون تشويش ويذاكر الطالب دون قلق.
ونقر هنا أن وزارة الداخلية اتخذت بعض الإجراءات لضبط هذه الحفلات وتمكنت من القضاء على ظواهر سلبية كإطلاق النار في الأفراح، أو ترك استمرارها دون تحديد سقف زمني، وتدخلت في أوقات امتحانات الثانوية وحددت وقتا لا يجوز تجاوزه وغيرها من الإجراءات التي لاقت ارتياحا من قبل المواطنين.
ونعتقد أن فرض إقامة الأفراح في صالات مغلقة سوف يلقى ارتياحا من قبل قطاع كبير من الجمهور، ورغم الغضب الذي قد يعتري من يريد أن يقيم حفلته بالطريقة التي اعتاد عليها الناس والجارية اليوم لاعتبارات كثيرة، ربما واحد منها المالي؛ ولكن لو أمعن صاحب الحفل التفكير جيدا في إيجابيات مثل هذا القرار سيشجع على اتخاذه من قبل الحكومة ووزارة الداخلية، وأقل هذه الإيجابيات هو النظافة، وثانيها أن الحفل يكون بعيدا عن الصبية والمتلصصين، والمظهر العام للحفل يكون حضاريا ولا يأتي إليه إلا المدعوون الذين سيجدون الراحة ويعبرون عن فرحتهم كلٌ بطريقته، ويحفظ الخصوصية لأهل الفرح، والأهم أنه يحفظ حريات الناس ويحقق الحريات العامة والنظام العام.
هذه دعوتنا إلى الحكومة الفلسطينية ووزارة الداخلية، هي دعوة للتفكير واتخاذ القرار المناسب الذي يحفظ للجميع حقوقه.


