الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 12:20 ص

مقالات وآراء

في بيتنا "جوال"

حجم الخط

سقى الله أيام لم يكن فيها في بيتنا أي وسيلة اتصال( تليفون ولا جوال ولا فاكس ولا إنترنت) بل لم يكن في بيتنا كهرباء (وعلى فكرة أضاءت دارنا بالكهرباء سنة 74 وسط عجب من والدي ووالدتي وإعجاباً) حيث كنا نضيء ليلنا ( بلامبة الكاز ) على ضوئها درسنا ، وسهرنا وأقمنا أفراحنا ، ونصبنا مآتمنا، وعلى حرارتها أنضجنا الفول يوم أن كنا ننضجه في الفوالة ، وأما اليوم فكل شيء تغير ، حتى لم نعد نطيق إطفاء الكهرباء عند مغادرتنا لأي غرفة أو حمام أو صالون ، وإذا ما انقطع التيار فجأة ضجت أصواتنا استنكاراً وتضجراً ، ولا بأس أن نلعن اللي خلف البلدية واللي جاب البلدية ، لأن الحياة تتوقف ، فلا تلفزيون يعمل ولا ميكروويف ولا ثلاجة ، ولا شواية ولا طنجرة خبز ولا مكوى ولا مروحة أو فريجيدير ، ويزاد السخط إذا كانت بطارية الجوال فارغة أو ضعيفة ، فضلاً عن اضطراب الإرسال والاستقبال ، وانقطاع الاتصال التليفوني عن بعض الأجهزة ، فحياتنا كهرباء ، حيث لم تعد مظهراً من مظاهر الترف ، أو مما يعرف به الغني من الفقير ، فمما لا يلفت النظر أن كوخاً أو بيتاً من الطين أو بيتاً من كرميد وكالة الغوث يضاء بالكهرباء ، كما لا يلفت النظر أن صبية الأحياء وصباياه وحتى العجائز اللاتي على حافة القبر يحملن الجوال ...

 

وتقول بأعلى صوتها ( هالو ..) وهي تحدث جارتها على بعد ( فحجة ) أو ( فحجتين ) ، وقد يكون لذلك ما يبرره ، ولكن أن يصدر ذلك عن صبي يحدث زميله - الذي يمكن أن يسمعه بالصوت المجرد - بالدقائق الطوال ، فهذا أيضاً مما لا يلفت النظر ، والذي قد لا يلفته أيضاً ما لو ولد المولود وفي يده جوال ، وكثير من هؤلاء من بيوت مستورة جداً ، ينالون قوتهم من الكبونة أو الشؤون ، وأحياناً من صدقات المحسنين ، وإذا سألت الصبي كم جوالاً في بيتكم ، أجابك بعد دقيقة يعد فيها الجوالات على أصابعه :خمسة أو ستة...

 

فإذا حسبت لوجدت العدد بعدد أفراد الأسرة !! أخذ أحدهم يشكو مصاعب حياته فقال: يلزمنا أول كل شهر ستمائة شيكل فواتير !! قلت: ما تلك الفواتير ؟ قال : جوالات وكهرباء ومياه !!قلت : أنت - منذ زمن - لا تدفع فاتورة الكهرباء ولا المياه. قال: تدفعها السوق الأوروبية أو فيفي عبده أو عادل إمام . قلت : ما سمعت بذلك ، بل الذي أعرفه أن فياض لا يدفع فاتورة الوقود الصناعي وهو سبب أزمة الكهرباء، إضافة إلى أمثالك الذين تجاوزت المستحقات عليهم ملايين الدولارات !!لكن ما علينا !!

 

كم تدفع فواتير الجوالات ؟؟ فاتضح أن صاحبنا يدفع الستمائة شيكل للجوالات فقط ، فمعه ومع زوجته وأربع من بناته وثلاثة من بنيه !! قلت: هل بقي أحد من الأسرة ليس معه جوال؟ قال مبتسماً : الببة وأخوه في الرابعة من عمره !! قلت:وكم دخلك يا سيدي؟ قال : على الله !! قلت : وفيم الشكوى إذن ، وهل الله الذي ( دخل ) عليك هذا الدخل كلفك أن تشتري به جوالات وتدفع فواتيرها ؟ فقال : وماذا أنا بجانب غيري ؟ إذهب إلى فلان ففاتورته وحده أربعمائة شيكل ، عدا أولاده وزوجته !! وأقسم أن فاتورة زميلة ابنته - وحدها - خمسمائة شيكل!!

 

قلت : وماذا تعمل هذه (البنت)؟ قال : ولا حاجة ، طالبة في المدرسة الثانوية !! حاولت أن أصدق، فلم أستطع، ولكن –وكما قيل – ليس هناك (دخان بغير نيران ) وسرحت في أيامنا مع إدراكي أن لكل زمان دولة ورجالاً ، سرحت و أخذت أدندن ( لمن نشكو مآسينا !!) وداعبت قلبي أمنية أن نعود إلى تلك البساطة التي كنا فيها نتزاور ، ونمشي ، ونجلس ،ونتسامر، نصل أرحامنا ، تتقوى - كل يوم - روابطنا الأسرية، لا نلحظ التغييرات على تقاسيم وجوهنا ، ولا الشيب في رؤوسنا ، أو قلوبنا؛ لأننا نرى بعضنا ، وأما اليوم ففي بيتنا جوال تسبب في إفلاسنا في الكثير الكثير من ضروريات الحياة التي انهزمت أمام أجيال الجوال !!