الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 07:55 ص

مقالات وآراء

جسم غريب

حجم الخط

إذا ما غزا جسم جسداً آخر تحفزت كل مكونات جهاز المناعة لطرده ليعود الجسد متجانساً سليماً ، فإذا ما زرع الغريب في الجسد ولو بعملية جراحية ، تحفز الجسد أيضاً لرفضه وطرده ، مما يستدعي معالجة الجسد بالمثبطات لإضعاف مقاومته ورفضه للغريب ، ورغم ذلك يظل الغريب غريباً ، والجسد مهما ضعفت مقاومته يظل على رفضه ، فيتحين أي فرصة لمهاجمة الغريب حتى وإن أصيب الجسد بالحمى، وفقد المزيد من أدوات الدفاع والمقاومة.

وإذا لم يكن هناك مناص من التعايش فلن يكون ذلك إلى الأبد ، فالغريب لا مقام له إلا بالمعالجة ، والجسد لا يزال يقاومه ويرفضه ، وهذا يتعلمه طلاب الطب في سنتهم التأهيلية وهو ما يصدق على واقع (إسرائيل) ، ويدركه الإسرائيليون منذ أن أصدر بلفور وعده لهم بإنشاء وطن قومي في الجسد العربي، الأمر الذي جعل من الأمن هاجساً دائماً لهذا الكيان ، فلا تكاد تغمض له عين، ولا يستقر له جنب، لإدراكه أنه غريب ، غير مرغوب فيه بل مرفوض.

لذا فهو غرض لكل أدوات المقاومة التي يملكها جهاز المناعة الذي لا يستكين أبداً إلا بطرد الدخيل أو موت الجسد ، وفي الحالة الإسرائيلية العربية فلن يموت الجسد العربي بل سيطرد (إسرائيل) لا محالة، رغم غدر (إسرائيل) وحروبها ، وما أبرمته من معاهدات سلم وتطبيع ، فهي غازية مرفوضة سيأتي يوم – ولن يطول انتظاره – يجد اليهود كيانهم وقد طرده الجسد العربي، الذي تتجدد مناعاته وقواه ، ويتجدد إصراره على عدم الاستكانة أو التعايش مع هذا الكيان المعتدي ، وما السنوات التي مرت على وجود (إسرائيل) إلا وقد أدنت من اليوم الذي ستزول فيه (إسرائيل) ، ولكن وإلى أن يأتي ذلك اليوم فإن قوى البغي العالمية تحرص على إطالة أمد بقاء (إسرائيل)، وتمدها بأسبابه ، وتحقن الجسد العربي بالمزيد من المثبطات والتي تأخذ أشكالاً ومسميات ، فهي – حينا – تكون :

1- كاتباً أو شاعراً ينشر الانحلال والفساد فيما يكتب، ويرفض توحيد صف الكتّاب خلف المقاومة ، ويصر على الاعتراف بـ(إسرائيل) ، بدعوى التمثيل الشرعي والوحيد للكتّاب والأدباء ، و ( يتحوصل ) كأي جرثومة لئيمة؛ هروباً من مبادئ مقاومة اتحاد الكُتّاب الفلسطيني لذلك الكيان الصهيوني وآليات نبذه ، فيلوذ بالاتفاقيات التي أبرمها المفرطون بلا حياء ، خوفاً من أن تسيطر حماس على الضفة الغربية ، ويبدي حرصاً صريحاً على الخروج عن أي اتفاق بالمطالبة بإلغاء ما وقع عليه ممثلوه لبعض بنوده إلغاء تاماً؛ بدعوى أنها تكرس زعامة دمشق، وكأن من فيها من أدباء وكتّاب قد تنازلوا عن الأرض، وخانوا دماء الشهداء، وشوهوا مسيرة النضال الفلسطيني ، ولكن سرعان ما ينبذ الجسد خبثه ويقاومه .

2- حروباً متوالية شاملة أو غارات متقطعة على عضو دون غيره ، أو تصفيات ، أو قصفاً ونسفاً، حتى لتظن (إسرائيل) أن لن تقوم للعرب قائمة ، وإذا بها تقف عاجزة ذاهلة أمام ضربات فارس عودة وعشرات الآلاف من جيله ، فتتراجع (إسرائيل) وتنهزم ، ويصير فارس ثقافة وقدوة وأملاً لأجيال تتطلع إلى غد لا تكون فيه (إسرائيل).

3- وحيناً تكون مؤتمرات ومفاوضات ، لا طائل منها ولا جدوى إلا تعزيز وجود (إسرائيل) والتنازل لها عن حقوق ومستقبل وثروات؛ علّها تجود عليهم بـ ( دولة ) ، أمل أفرغه يهود من كل معنى ، بعد أن جعلوا من تنفيذه مستحيلاً عند من لديه مسكة عقل ، ورغم ذلك يذهب سلام فياض إلى أورشليم لملاقاة باراك، الذي يأمره بتكريس أمن المحتلين والمستوطنين فحسب ، فيقف كبير المفاوضين يبدي الأسف والأسى على مراوغات (إسرائيل) وغدرها، كما يبدي العجز ثم الإصرار على التفاوض ( وفاءً ) لما قال ( السيد الرئيس ) الذي يجدد اتهامه لحماس بنقل نشاطها العسكري إلى الضفة؛ تبريراً لمزيد من سحق الحريات والقمع ، وهي مسوغات كافية لدفعهم للعمل لصالح الصهاينة ، وجعلهم غرضاً للعنات الشعب وهدفاً لحجارة انتفاضة قادمة لا محالة ، لا تبقي للظالمين من أثر .