الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:34 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

قراءة في حادث القرصنة

حجم الخط

صدق من قال: شر أعداء الإنسان نفسه. وشر أعداء الكيان.. ودولة الشيطان، هو الصهاينة أنفسهم. ولا نشك في دهائهم، ولكن غرور القوة أعماهم وأصمهم فما عادوا يرون مصلحتهم، ولا يسمعون نصح ناصحيهم.. لأنهم رسخ في أدمغتهم الفاسدة أنهم فوق أن ينتصحوا أو يسمعوا من أحد. والحادث الأخير، أعني العدوان الهمجي على سفن الحرية وأسطول الأحرار ومتضامنين دوليين مع الشعب الفلسطيني للإسهام في كسر الحصار أو رفع الحصار. أقول: هذا الحادث شكّل فرقاناً وبرزخاً بين مرحلتين. وفعلاً كان علامة فارقة بحيث إن ما بعده مفترق جداً عما قبله.. بل لا يكاد يمت إليه.

 

وهذه قراءة سريعة في الحديث وما ترتب عنه من استخلاصات وعبر واستنتاجات. وهو فيما أرى حدث جسيم مهم عظيم، ينبغي قراءته قراءة دقيقة متبصرة واعية، لا أن نمر به مراً سريعاً أو أن نقرأه قراءة مشوشة.

 

وحاولت أن أقرأ الحدث من زاويتي ووجهة نظري وأسجل بعض النقاط فإليكها كما هي بدون رتوش:

 

1- قرصنة.. وقرصنة:

يجري متزامناً مع قرصنة بني صهيون أو الصهايين قرصنة من قبل إخواننا الصوماليين. مع الفارق بطبيعة الحال. فقرصنة الصوماليين فيها مبادئ وأخلاق وشمم وشيم وقيم. فهم شعب مظلوم، ودول العالم الغاشمة الظالمة تنهب ثروات الشعوب المستضعفة، فهم يبحثون عن فدية مقابل إطلاق سراح السفينة المستولى عليها، وما أشبههم في هذا بصعاليك العرب في الزمن الغابر من جماعة عروة بن الورد، والسليك ومن لف لفهم. فما كانوا يأخذون المال لأنفسهم إنما للفقراء. لست أبرر القرصنة، فهي قرصنة والسلام. يعني أنها قطعاً مرفوضة. لكني أقارن بين قرصنة وقرصنة.

 

فلم يقتل خلال الاستيلاء على عشرات السفن في الصومال أحد، بينما قتل في الاستيلاء الصهيوني على سفينة واحدة قرابة العشرين. هذا أمر. وأمر آخر أن اثنين من القراصنة الصوماليين أو ثلاثة كفيلون وقادرون وجديرون بالاستيلاء على سفينة وعليها حرس وعليها طواقم مدربة ومجهزة، واحتاج الاستيلاء على سفينة واحدة من سفن كسر الحصار إلى خمسة آلاف أو ستة آلاف عنصر ومشاركة فعلية من قوات الاقتحام والإنزال المباشر ألف عنصر. فهل رأيتم الفارق؟ إن المقتحمين الصوماليين شجعان رجال. وهؤلاء الصهايين رعاديد أنذال. والمقتحمة عليهم السفن في حالة سفينة كسر الحصار "مرمرة" رجال أبطال، والمقتحم عليهم السفن في بحر العرب حريصون على الحياة، والحرص أذل أعناق الرجال.

 

في النهاية إذاً شتان بين قرصنة وقرصنة وقراصنة وقراصنة. إن أسوأ القراصنة وأخسهم وأحطهم هم بنو صهيون.

 

2- معيّنون ومنتَخبون:

لماذا صوت أردوغان وأوغلو وغول عال في الحديث عن الكيان الشيطاني السرطاني، وصوت أعرابنا خجول منخفض، ونبرته أكثر من هادئة، وأكثر من معتدلة؟

 

لماذا يزمجر أردوغان كالرعد، ويهمس أعرابنا على استحياء؟

 

لماذا يزأر الأسد أردوغان، وعرب التهيب يجترون الصمت أو الكلام الخافت الباهت "الهافت"؟

 

لا نطيل في الأسئلة ونسارع إلى الجواب. أردوغان يتكلم برصيد الشعب الذي انتخبه، وأعرابنا بلا رصيد، فأنّى يتكلم من لا يمتلك الرصيد؟ أردوغان قوته من كونه منتخباً انتخاباً حقيقياً لا شبهة فيه.

 

والعربان معيّنون فرصيد قوتهم -إن سميناه رصيداً- إنما هو من دعم من عَيّن، وهذا يسحب دعمه وتأييده إن ارتفع الصوت أو علت النبرة. وهل تذكرون ما قال "القائد الفاتح أبداً" في أحد مؤتمرات القمة: "كلنا معيّنون ويجدد لنا العقد سنوياً" أم لا تذكرون؟

 

فمن صدّق بعد اليوم أن أمريكا تريد انتخابات حرة ونزيهة وشفافة ونظيفة وشريفة وعفيفة وبهية، فإنما هو واهم غير فاهم.

 

هي تريدها على النقيض من ذلك لتظل بيدها ورقة التهديد. ولا تريد منع الفساد لتظل بيدها ورقة التهديد. وقد حدثنا من عمل محاسباً عند "الرمز" أنه شتمه وأمه وأباه؛ لأنه لم يسرق!! طبعاً لكم ألا تصدقوا. ولكنها الحقيقة. لأنه يريد من يسرق، ليظل تحت سيطرته!

 

ولماذا كان المقربون منه كلهم فاسدين؟! وهم الذين كان يعينهم بقولته المشهورة: "كل واحد وله تمنه" وصدق. فكل من حوله مشترون، ثم اشتراهم الأعداء فسمموه وتكتموا على تسميمه، بل لم يطلبوا تشريحه لئلا ينكشف المستور. هكذا أمريكا و"إسرائيل" ومن لف في فلكهما ودار!

 

لقد رفع أردوغان وزن تركيا إلى أن صارت تخطب ودها أمريكا وأوروبا. لقد رفض أردوغان التحدث مع أوباما. مَنْ مِنَ العرب يجرؤ أن يفكر في هذا لا أن يفعل هذا؟

 

وهذا ملف يطول الحديث عنه. وصدق أبو القاسم الشابي عندما قال أو لم يقل: إذا الشعب يوماً انتخب مسؤوله بحرية، فلا بد أن يقوى المسؤول بالشعب، ويقوى الشعب بالمسؤول.

 

3- الشهداء رافعة الأمم:

قدمت غزة في حرب الفرقان قرابة ألف وخمسمئة شهيد وقدم رجال قافلة فك حصار غزة شهيداً مقابل كل مئة شهيد من شهداء حرب الفرقان بغزة. ويبدو للوهلة الأولى أن الشهداء الأقل عدداً هم الذين حركوا العالم وحركوا ركود العالم العربي بما لم تستطعه جموع الشهداء الأكثر والأكثف. فهل الأمر كذلك؟

 

يبدو الأمر كذلك. ولكن لولا فضل الله أولاً ثم فضل الشهداء الألف والخمسمئة، ما تحرك الشهداء الجدد، وما تحركت قوافل دعم صمود غزة وفك الحصار عنها، فالمرجع إذاً للشهداء الأول. ما تعاطف العالم معنا إلا للصمود والشهداء. وهناك إضافة أخرى أن الشهداء الجدد وجدوا زعامة سياسية تعلي من شأنهم، وتتبنى قضيتهم، ذلكم هو أردوغان وتركيا من ورائه.

 

ولم يجد شهداء غزة إلا التنكر والتنصل من أشقائهم العرب، فلم يكن الأثر لتلك التضحيات بحجم هذه التضحيات.

 

ألا فليعلم أن رافعة الشهداء هي الرافعة، وأن الشهداء فائزون وأمتهم فائزة، وأن الشهداء أحياء وأمتهم بهم حية.

 

وقلت وقتها في شهداء غزة إن عدد شهداء غزة بعدد مسلمي العالم. بمعنى أن كل مليون زُكّي عنه بواحد. وبمعنى أن كل شهيد رفع من المسلمين مليوناً، وأعلى من شأنهم واسمهم في العالم. إن أمة لا تحسن الذود عن نفسها بدماء أبنائها أمة مرشحة للاضمحلال والاندثار والبوار. وإن أمة تحسن صناعة التضحية والاستشهاد ذوداً عن حريتها وعزتها وكرامتها ومقدساتها أمة تستحق الحياة وتستحق الكرامة.

 

من هنا جوهرة الصدّيق رضي الله عنه: "اطلبوا الموت توهب لكم الحياة" والذين يفرون من الموت يلاقيهم الموت ويواجههم الموت، وهم من خوف الموت كل ساعة في موت.

 

لقد نجح المسلم بإيمانه بتجاوز نقطة ضعف البشرية كلها بالتهديد بالموت. ولقد قال الأتراك لإخوانهم العرب: أنتم ضحيتم طيلة ستين سنة وقدمتم الشهداء، والآن جاء دورنا لنستشهد من أجل نصر المسلمين في فلسطين. كما قال البربر لإخوانهم العرب في فتح الأندلس.

 

والآن وقد طال المقال نضع القلم والحديث عن علاقة الحدث بالأقصى سنؤجله إلى تال من الحديث.

 

ويا أحرار كسر الحصار، لقد علمتمونا الدروس الكبار. وفي حلقة قادمة نكمل المشوار، وسلام على الأبرار!