كانت الثقة بالنصر تملؤنا , هدير الدبابات ورعود أصوات الجنود, والمسلحون في كل مكان ، ومراكز التدريب كخلايا النحل, والضباط يتحركون منتصبي القامات وصدورهم إلى الأمام, وأياديهم –القوية جداً- ضاغطةً على الزناد, وزغاريد النساء تملأ الفضاء, جاء الجيش المصري... ضاقت المخازن بالمواد التموينية, وصناديق الذخيرة... لا مكان لها, صدر أمر القائد: مدرسة الثانوية للبنات هو المكان...
يندفع المراهقون إلى مركز القيادة يطلبون التجنيد, يهتف الشيوخ : غـــداً سنعــــود.. تتراقص الفرحة في عيون الأطفال, يرسمون صورة عبد الناصر على الجدران.. نفس الملامح رغم خطوطهم البسيطة الساذجة, نسي الصغار ألعابهم المعتادة, وابتدعوا لعبة الحرب (عرب ويهود) يرفض الكثير الكثير منهم أن يقوموا بدور اليهود فيرغمهم الأكبر سناً... تنتهي الحرب دائماً بنصر العرب على اليهود..
ويلعب دور عبد الناصر أكبر الأولاد وأضخمهم جسماً وأقواهم ذراعاً, وأذكاهم وأقدرهم على القيادة.. وحتى لا يفسدوا اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر وغيرها من الدول العربية ؛ لا يتعرضون لما درسوه وسمعوه عبر سنوات وسنوات عن سلوك بعض الزعماء الخيانية, يقارن رجل مجرب بين الجيوش السبعة التي أضاعت فلسطين, وجيوش هذه الحرب, ليصل بعد مقدمات يتعمد أن تكون منطقية أو فلسفية : إن الفرق كبير, فجيوش (زمان) كان قادة العرب خونة والسلاح فاسد, والعرب جهلة, وأما اليوم فالقائد جمال عبد الناصر, والسلاح (مالي) الشوارع حتى الصغار في أيديهم سلاح.. والسوفييت معانا, ثم يقول بحكمة بالغة (قال عبد الناصر عندي مليون جندي) والراجل صادق عنده أسطول وطيارات.
فيقاطعه آخر... والله عبد الحكيم عامر بسوى ميت واحد من ديان... فيسخر شاب من ديان: (وايش هالأعور؟)... اتسع نطاق الجلسة فأخذت شكل الدائرة اختلطت فيها الأصوات... حتى ران عليها صمت لا يكسره إلا (صوت العرب) وأحمد سعيد بصوته العميق الجريء, العريض الجهوري يمزق صمت الدنيا, ويتوعد (إسرائيل) بالموت, ويتخلل حديثه مقاطع من خطاب جمال عبد الناصر بلهجته المصرية الحلوة: (احنا بنؤول للحرب أهلاً وسهلاً) وتملأ الطرقات وواجهات المحلات والمدارس وجدران المساجد صورة تجمع بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ببزته العسكرية، وتتسابق الأيدي لاختطاف مجلة (القوات المسلحة) المصرية من أيدي الباعة, ارتفع عدد توزيعها إلى عشرات الأضعاف, صورة الغلاف تجمع بين عبد الناصر والحسين بن طلال بزيه العسكري وعلى صدره نياشين النصر...
إذاعات العرب كلها في أرض المعركة, صوت العرب- القاهرة- عمان- دمشق- بغداد... كلها تغني للمعركة, والمارشات العسكرية, وانقلب المذيعون كلهم إلى أحمد سعيد المذيع الأشهر ... الهادر ..المنفعل .. حتى ظن الكثير أنه كان قائداً عسكرياً كبيراً ...فصوته كقصف الرعود..و أم كلثوم في المعركة ، و عبد الحليم يغني: ( اطلب تلاقي تلاتين مليون فدائي ، ملايين الشعب ،، اتدق الكعب ،،، و تقول كلنا جاهزين ... يا أهلاً بالمعارك ) و عبد الوهاب يغني: ( فجرد حسامك من غمده .. فليس له بعد أن يغمدا ) و المطربة السورية الثائرة لودي شامية تغني: ( سوريا يا حبيبتي أعدتِّ لي هويتي ) و فيروز تغني: ( أردن أرض العزم أغنية الصبا نبت السيوف و حد سيفك ما نبا ) و مقال هيكل (بصراحة) يحلل و يفند و يبصر ، و طلاب الثانوي و الطالبات بزي ( الفتوة ) في زهو و نشوة ، و الباشجاويش مصطفى جلال محمد يمشي كماريشال ألماني ، تتحطم تحت قدميه جبهات أوروبا كالبسكويت ، و صوت عبد الناصر: ( أنا مش خرع زي المستر إيدن )
فيسأل طالب أستاذه : من إيدن ؟ فيجيب : هو رئيس وزراء بريطانيا في حرب السويس يا (حمار) !! يبلع الشاب الإهانة مقابل المعلومة ... جاء المساء – على غير عادته – سريعاً ، لم يستطع الشاب أن يدرس شيئاً ، رغم أن امتحانه بعد ستة أيام ، و قد تسلم رقم جلوسه من مدرسته الثانوية ، يحدوه أمل أن يكون طبيباً .. و لا بأس أن يسافر إلى القاهرة من قريته التي ستعيده إليها الحرب ، بدل أن يسافر من وطن اللجوء ، و تذكر أن ابن جيرانه قدم امتحان اليوم الأول لنيل الشهادة الإعدادية .. حاول الشاب أن ينام و أخيراً انتصر على أرقه ، ليستيقظ على أذان الفجر ، كان لصوت المؤذن نبرة جديدة ، تخيل - لأول مرة- أنه يسمع بلالاً يؤذن على سطح الكعبة بعد انتصار فتح مكة ..صلى ، تناول طعام إفطاره ( من ميسور البيت ) خرج بكتابه ليتمه للمرة (....) ليدرس في الخلاء ، درس بعقل متفتح ، رأى من بعيد عجوزاً بدوية تجري ...
تبدو هاربة ... ثم أخرى .. فثالثة .. فعدد من الناس .. سألهم ، أجابوا : لقد دخل اليهود .. نظر إلى ساعته فإذا هي العاشرة من صباح 5 حزيران( يونيو) 67 ليقرأ بعدها تفاصيل الهزيمة في كتاب ( المرأة التي حكمت مصر ) إنه السقوط الأخلاقي ، ثم في كتاب ( و تحطمت الطائرات عند الفجر ) إنها الخيانة ، و في كتاب ( كلام في السياسة ) إنها الجاسوسية !! كانت صدمة ؛ لقد هزمت (إسرائيل) عبد الناصر و الحسين و الشقيري و الأتاسي و عبد الرحمن عارف و هواري بو مدين .. هزمت دنيا العرب !! ما أسوأ ذلك اليوم ، و كم هو علقم طعم الهزيمة ،و لم يعد عبد الحليم يغني .. أين ذهب كل هذا ؟؟ و لماذا ؟؟ ... كانت عقولنا الصغيرة تعجز عن الجواب ، و للأسف فقد سكت الفيلسوف العجوز ، لأنه مات قهرا.
