الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 09:53 ص

مقالات وآراء

نداء المصالحة.. وسجون فتح

حجم الخط

بعد مجزرة أسطول الحرية تعالت أصوات قيادة فتح لإنجاز ملف المصالحة والتوقيع على الورقة المصرية، وأوصت بضرورة إرسال وفد من اللجنة المركزية ومنظمة التحرير إلى غزة بتحريك هذا الملف ، إلا أن هذه الأصوات التي تزعم حرصها على الوحدة لا تلتفت إلى مطالب حماس بضرورة تهيئة الأجواء للمصالحة، ووقف الإجراءات القمعية بحق أبناء الحركة الإسلامية التي ازدادت وحشية وضراوة خلال الأسابيع الماضية.

 

ولعل أهمية مبررات حركة حماس وإصرارها على إنهاء ملف الاعتقال السياسي قبل العودة إلى الحوار تبرز عند معرفة الإحصائية الأخيرة لعمليات التعذيب والاعتقال.

 

لوحظ أن أجهزة فتح وخلال شهر مايو المنصرم صعّدت من حملتها الاستئصالية ضدّ حماس في الضفة، حيث شهد الشهر تصعيداً ملحوظاً في حملات الاختطاف والاستدعاء والتعذيب، فبلغ عدد المختطفين لهذا الشهر 230 مختطفا بينهم العشرات من قياديي الحركة ورموز المحافظات ووجهاء العائلات ورؤساء وأعضاء مجالس بلدية في الضفة، بالإضافة إلى مئات حالات الاستدعاء للتحقيق التي طالت رجالاً ونساءً وشيوخاً في مختلف المحافظات.

 

ومن بين المختطفين 126 أسيراً محرراً و 35 طالباً جامعياً و4 صحفيين وأُصدرت أحكامٌ بالسجن ضدّ 5 من المختطفين، ومن أبرز جرائم التعذيب التي تمت داخل الأقبية ما حدث مع أحد مختطفي الحركة في سلفيت حيث قام محققان من جهاز المخابرات بتعريته وتهديده بالاغتصاب وهو مغمض العينين، كما أشارت الإحصاءات إلى نقل أكثر من 20 مختطفاً للمستشفيات خلال شهر مايو المنصرم منهم من تمّ نقله مرتين لسوء وضعه الصحي، فكيف تطالب فتح بالمصالحة وخنجرها يقطر دما من أبناء حماس، وتظهر نفسها بالحريصة على الوحدة وانهاء الانقسام.

 

تتحدث "فتح" بكل غرابة عن قداسة قضية الأسرى، وسعيها بكل الوسائل لإطلاق سراحهم، وكثيرا ما نظمت الفعاليات وعقدت المؤتمرات لإبراز معاناتهم، بل وتفتخر لأنها صاحبة السبق في تأسيس وزارة للأسرى والمحررين، وناضلت سلمياً وشعبياً من أجلهم، وشكلت مؤسسات إنسانية وحقوقية لهم، وتواصلت مع محبي الشعب الفلسطيني في كل المحافل لبيان الموقف الفلسطيني الثابت من الاعتقال الذي يتنافى مع كافة الشرائع الدولية والنضال السلمي والقوانين الإنسانية.

 

واعتبرت "فتح " سابقاً إجماع الأسرى وتوحدهم على "وثيقة الوفاق الوطني" التي توافق عليها الأسرى داخل السجون الصهيونية من المقدسات والمنجزات الوطنية الثابتة، وقالت يومها إن إجماعهم على الوثيقة في ظل ظروفهم وواقعهم لا يمكن أن يكون على باطل!! استناداً إلى القداسة والمكانة الخاصة بهم.

 

وتدرك "فتح" مأساة الأسرى في سجون الاحتلال، ومدى القسوة والمعاناة التي يواجهونها، وهذا ليس غريباً فكثيراً من قادتها اعتقلوا وكان آخرهم "عباس زكي" الذي أودع لأيام في سجن عوفر، ولحظة دخوله المعتقل استقبله أسرى "حماس" بكل حفاوة و مودة، وعرضوا عليه تجربتهم الوحدوية داخل المعتقل، ورد "زكي" بالقول "إن قضية الأسرى في السجون الإسرائيلية ستكون عنوان المرحلة القادمة بالنسبة له، وسيعمل على إبراز قضيتهم العادلة لدى كافة المؤسسات والجمعيات الحقوقية!!!

 

كلام ممجوج يلوكه الفتحاويون ويظهر نقيضه على أرض الواقع، يتغير الموقف من أسرى حماس لحظة خروجهم من سجون الاحتلال، ويصبح شركاء النضال مطاردين من أجهزة فتح قبل أن يصلوا بيوتهم ، ويصبحوا نزلاء سجون فلسطينية يحقق معهم ضباط يأتمرون من قيادة "عباس زكي" الذي يتشدق بحمل معاناة الأسرى!

 

إن المزاعم الفتحاوية عن حق الأسرى بالحياة الكريمة بعد الإفراج عنهم يصطدم بالواقع الذي تمارسه، وبحسب آخر إحصائية فإن "فتح" لم تستثن أحداً من إجراءاتها سواء كان قائداً أو مناصرا أو عضوا، وهو ما يشكك في نواياها حول الوحدة التي تنادي بها، ولا نبالغ القول بأن إجراءات فتح بحق المختطفين لديها وخاصة الأسرى المحررين فاقت القوانين الصهيوينة ضد الأسرى، وقد سبقت أجهزة فتح بإجراءاتها إقرار قانون "شاليط" الصهيوني لتشديد الإجراءات ضد أسرى حركة حماس، وتفوقت عليه بممارساتها.

 

إن السكوت على جرائم فتح بحق أبناء حماس و الأسرى المحررين جريمة لا تقل بشاعة عن الممارسات القمعية بحقهم، وليس من المنطقي القبول بعقد جلسة حوار قبل تفكيك هذا الملف وإنهائه بالكامل، خاصة أن فتح استمرأت إهانة أسرى حماس عند خروجهم، ولأن هذه الجريمة طال أمدها وباتت تتكرر مع كل الأسرى المحررين باستثناء عناصر فتح ، فقد كثرت المطالب والمقترحات العملية للضغط على سلطة فتح في الضفة لتوقف هذا الانحراف و الانحطاط الأخلاقي الممارس بحق شعبنا والذي يعتبر الأسرى عنواناً للصمود وجسراً للتحرير، ومن بين هذه المطالب:

 

1- يطالب البعض حكومة غزة القيام بذات الخطوة ، فمقابل كل مختطف حمساوي في الضفة يودع سجون غزة فتحاوي، لا ليهان ويعذب بل ليشكل اعتقاله دافعا لسلطة فتح للتوقف عن إجراءتها بحق المناضلين وهو تصرف مارسته فتح بعد الحسم مباشرة.

 

2- ويقترح آخرون استخدام "الإقامة الجبرية" بحق أبناء وقيادات فتح في غزة ليشعر الفتحاويون هنا بالممارسات اللامسئولة من قيادتهم في الضفة.

 

3- وهناك من يطالب النواب الاسلاميين بأخذ دورهم ويقترح إقامة خيمة اعتصام لهم أمام معتقلات فتح والاعتصام فيها حتى الافراج عن المختطفين وهذا أقل ما يمكن فعله.

 

4- ويرى آخرون أن الضغط الشعبي من قبل أبناء المعتقلين وذويهم عامل مهم للتأثير على فتح بعدما زادت هذه الممارسات وحشية وأصبحت أمراً مألوفاً عندهم.

 

5- ويلفت البعض إلى أهمية الضغط السياسي وذلك برفض الجلوس على طاولة الحوار مع فتح قبل الإفراج عن المختطفين والاشتراط بعدم العودة لهذه السياسة، ووقف كل أشكال التعاون والتحركات الحالية نحو المصالحة حتى تفرج سلطة فتح عن الأسرى المحررين.

 

إن تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام هدف يسعى له الجميع، وهو موقف ثابت وخيار استراتيجي لحركة حماس كما تقول دوماً، ولكن يجب أن تسبق المصالحة بخطوات لا تقل أهمية عن تحقيقها، فالأخبار التي ترد من داخل الضفة وسجون السلطة تقشعر لها الأبدان، وما تجرأت أجهزة فتح على ممارساتها بحق الأسرى المحررين وغيرهم إلا عندما توقفت التحركات لنصرتهم، و سكت المسئولون عن معاناتهم، وتراجعت اشتراطاتهم.. فمن أسهل بالإنجاز المصالحة أم الإفراج عن المختطفين ؟.