الخميس 01 يناير 2026 الساعة 09:08 ص

مقالات وآراء

انتصار الإنسانية

حجم الخط

حتى وإن لم تكتحل أعينهم برؤية غزة التي خرجوا يطلبون، وحتى وإن امتزجت دماؤهم بمياه البحر قبل أن يتمكنوا من احتضان أمواج شواطئها الحزينة..

 

يكفيهم أنهم لبوا نداء الواجب الإنساني، ولم يرضوا بأن يكونوا مع القاعدين الذين كره الله انبعاثهم فثبطهم..رفضوا بأن يكونوا مع الخوالف يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام..فصار لحياتهم معنى استرخصوا أرواحهم من أجله..فكان لهم أن دخلوا التاريخ من أبواب المجد الواسعة، وحلقوا عالياً في سماء الحرية حتى عانقوا شمسها.

 

لقد أثبت هؤلاء الأحرار بالأفعال لا بالأقوال بأنه لن يخلو زمان من قائم لله بالحجة ينصر الحق ويرفض العبودية لغير الله، ويقف في وجه الظالم لا يخشى جبروته وطغيانه .

 

سلام على هؤلاء الأوفياء لعهد الله وهم يرحلون إلى الخلود..سلام عليهم وهم  يحيون ذكر أصحاب الأخدود فلا يبالون بالنار ذات الحريق في سبيل الانتصار للعدالة والتصدي لقوى الاستكبار في الأرض..

 

من قال إن محاولتهم في كسر الحصار فشلت..صحيح أن دفعوا الثمن من دمائهم وأرواحهم وحيل بينهم وبين الوصول إلى غزة، لكن دماءهم التي سالت غذت شجرة الحرية فأنبتت من الثمار أكثر مما كان سيثمره وصولهم إلى غزة

 

وكما افتدى أصحاب الخدود عقيدتهم بأرواحهم فكتبوا في الخالدين، افتدى هؤلاء الأحرار الحق الذي يناضلون في سبيله..فكانت دماؤهم باعثاً للروح في من لا يزال فيه بقية من خير في العالم، كما كانت لعنةً تطارد الظالمين، وبصقةً على المتخاذلين الغارقين في الرذائل والدنايا..

 

لقد تزلزلت تحت أقدام ثباتهم أركان الكيان الغاصب على أرض فلسطين، فظهر ارتباك قادته وتلعثم متحدثيه، وبدت سوءته .وتعمقت أزمته على نحو غير مسبوق إعلامياً وسياسياً وأخلاقياً فخرجت التظاهرات الحاشدة في مشارق الأرض ومغاربها تندد بجرائمه وتدعو إلى معاقبته.

 

لقد ساء وجه هذا الكيان العنصري الذي تأسس على الظلم من أول يوم، وانكشفت حقيقة كونه مجموعةً من العصابات المجرمة لا تدين بأي قانون أو خلق أو شرعة. . وبدأ العالم يدرك أكثر من أي وقت مضى بأن هذا الكيان صار عبئاً ثقيلاً عليه، وتهديداً خطيراً للعدالة العالمية، وأن تكلفة مساندته باهظة الثمن..

 

لقد أثبت قادة الاحتلال من خلال هذه الفعلة الشنعاء أنهم قد فقدوا القدرة على التفكير الصائب، وأن دعاوى الإنسانية والقانون والديمقراطية هي أقنعة زائفة تهاوت تحت شمس الحقيقة، وهو مبشر بأن وجودهم من أساسه بات مهدداً بالزوال.

 

إن من بركة استشهاد هؤلاء الأبطال أيضاً أنهم قد أعادوا الحضور الفاعل للقضية الفلسطينية إسلامياً وإنسانياً وعربياً، فسمعنا لأول مرة في صراعنا مع بني صهيون عن شهداء أتراك وغيرهم على أبواب فلسطين، وهكذا لم تعد القضية تخص الفلسطينيين وحدهم، وتجاوزت اعتبارها قضية حصار ومعونات إنسانية وحسب، لتعود إلى حقيقتها بأنها قضية عدالة عالمية تحشد كل الأحرار.

 

لقد حاول الاحتلال الصهيوني بارتكاب هذه الجريمة المروعة أن يكسر إرادة أحرار العالم ويفقدهم الثقة في قدرتهم على الوقوف في وجه جرائمه ومناصرة أهل غزة في قضيتهم العادلة وييئسهم من إعادة المحاولة مرةً أخرى.

 

والرد الأمثل على هذه الأهداف هو بالإصرار على تحقيق الهدف الإنساني الذي جاء المتضامنون من أجله وهو كسر الحصار عن غزة، وإرسال أسطول آخر أكبر وفي أسرع وقت للوصول إلى غزة..

 

إن من شأن هذا التحرك أن يثبت للكيان فشله الذريع في كسر الإرادة الحرة وأن يعمق مأزقه الأخلاقي والإعلامي والسياسي..

 

لقد صارت الأمور أكثر تعقيداً على الكيان الصهيوني في ضوء اتساع موجة الغضب العالمية تجاهه بعد اقترافه للجريمة والضرر الجسيم دبلوماسياً وسياسياً وإعلامياً الذي يحاول جاهداً أن يرممه..ولن يكون من السهل عليه أن يكرر المشهد ذاته في المرة القادمة..

 

لقد أثبت المتضامنون مرةً أخرى بأن الإرادة الحرة هي أقوى من كل أشكال القمع والإرهاب، فانتصروا بوسائل سلمية خالصة على جيش مدجج بالأسلحة والبوارج والطائرات المروحية، ولم يكن سلاحهم سوى الإيمان بعدالة قضيتهم.

 

 وهي طريقة أثبتت فاعليتها في حشد الدعم العالمي وإكساب المناضلين رصيداً أخلاقياً، وزيادة تعميق المأزق الأخلاقي للاحتلال.

 

وجدير بنا كفلسطينيين أن نعزز هذا الخيار ونفعل أشكال المقاومة المدنية المختلفة ميدانياً وإعلامياً وقانونياً واقتصادياً خاصةً في ظل حالة العجز السياسي الداخلي وانسداد الأفق.. 

 

إن دماء الشهداء الطاهرة التي امتزجت بمياه البحر الهادرة قد عبدت الطريق أمام فتح قريب وانتصار للعدالة في هذه البقعة المباركة من العالم..

 

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون