نشرت صحيفة الحياة الجديدة مقالاً لـ (موفق مطـــر ) حمل عنوان (سؤال عالماشي- الإهانة برتبة دكتور وزير !!) ، و فيه مجموعة من الأسئلة موجهة للقارئ ثم لي، و بعضها أسئلة تقريرية لا تحتمل إلا الجواب الذي يريده موفق ، و لكنني لا أجدني في حـِلٍّ من الجواب ، فأقول فيما يشبه التمهيد:
سيد موفق – أقول و بلا تواضع أبداً – أنا لاجئ من قرية صغيرة اسمها السوافير الشرقية، طردنا اليهود منها، فلجأ أبي وصغاره وزوجته إلى رفح، رأيت أبي يبكي مراراً على (أيام البلاد) و(سقى الله على تلك الأيام) فتعلمت منه التعلق الوجداني والعاطفي بتلك القرية دون أن أراها ، ثم تعلمت في مدارس وكالة الغوث حتى الثالثة الإعدادية، ولبست من (بقجة) المؤن، وأكلت من طحين التموين المكتوب على كيسه (هدية من شعب الولايات المتحدة الأمريكية – ليس للبيع أو المبادلة) ومرسوم عليه يدان متصافحتان، إحداهما تحمل العلم الأمريكي والأخرى للاجئ فلسطيني يتلقى أسباب العيش من هذه الوكالة التي سبقتها في الإنفاق على اللاجئ و إعاشته منظمة الكويكرز التابعة للنقطة الرابعة الأمريكية، وكل من تتهمهم بالعجز اللغوي من أمثالي – يا سيد موفق – يدركون هذه الحقيقة ، التي لولاها لهجم اللاجئ على الموت، ولحرق الأخضر واليابس في ( الكوبانيات ) اليهودية ليجلب طعاماً لأولاده ، كما كان يحصل ما بين مايو 48 إلى أواخر 49.
وبعضهم قد عاد إلى أرضه فعلاً ، حتى تسلمت وكالة الغوث أعمالها ، فأجزلت العطاء للاجئ من رز وسمن ودقيق و فسيخ ( مدخن ) وبيض مجفف و لحوم معلبة وكاز و بطاطين و ملابس، وبنت له بيتاً بدلاً من الخيام، فآثر اللاجئ السلامة على الهجوم طالما أن لقمة العيش قد توفرت، حتى أصبح اللاجئ أشهر متسول في التاريخ، وأوافقك أنه لم ينس أوطانه (لذا فقد سجنني الصهاينة خمس مرات) ولكنه قعد عن مهاجمة ( الكوبانيات ) إلا من محاولات نظمها بعض الضباط المصريين الشرفاء كالمرحوم مصطفى حافظ ، ولكن أن يقوم بها جموع اللاجئين ليعودوا إلى بلادهم ...
فهذا ما لم يكن، وظلت القضية الفلسطينية قضية إنسانية لثلاثة عقود تقريباً حتى جاءت م.ت.ف، وفتـْــح على وجه التحديد، فجعلت منها قضية سياسية ( على ما يفخرون )، وقد كان اللاجئ مغيباً إلا ما جاء به المرحوم الشقيري بعد سنة 64 حتى سنة 66 من قانون التجنيد الإجباري يا سيد موفق، وإن سبقه في ذلك ضابط (إخونجي) اسمه عبد المنعم عبد الرؤوف إلى تشكيل نواة الجيش الفلسطيني من (المتطوعين الفلسطينيين) في منتصف سنة 51 ، و كان يرفع ذلك الإخونجي مسدساً ومصحفاً أمام جنده عندما يخاطبهم قائلاً: بهذا و هذا تتحرر فلسطين ، و قد عشنا حتى رأينا من يتحدث عن النضال بلغة عضو فرقة في ( كباريه ) ( الدوزنة – العزف على الوتر – النغمات ) وهو ما نراه فيمن يهزون ( الكتف بحنية ) فضلاً عن الثقافة الهابطة والأفلام المنحلة والخطاب التافه الذي يعلكه ( المناضلون التنسيقيون ) من أزلام دايتون علك اللبان.
وعلى فكرة يا سيد موفق كان جيلنا يعاني من الإسقربوط و الأنيميا والإسكارس و القراع و الديدان الدبوسية ومن القمل و البق بفضل مساعدات أمريكا و وكالة غوثها و التي منها ( الطعمة ) التي كان يجد فيها اللاجئ المسكين أماً ثانية ، رغم ذلك ظل اللاجئ واعياً لتلك المساعدات المجرمة حتى كان يردد في أهازيجه ( طيارة يما بدور ** فوق حارتنا ** يمكن شايفنا الطيار ** بوسط جنينتنا ) إلى أن يقول فيما يشبه النواح : ( كله هاضا من التموين ** و العشرة كيلو طحين ** الله يهد الوكالة ** و نرجع فلسطين ** يا يمـــا ** نرجع بلدنا يا يمــا ).
أما يا - سيد موفق – عن تعدد العملات في جيب الإخوان فأقول : إن العالم الإسلامي و شعوبه متعددة ، وليست الأنظمة ، و كلها تجد أن من واجبها الجهاد بالمال و النفس لاسترداد فلسطين ، و أما المال فأتقن جمعه المرحوم الشقيري والمرحوم ياسر عرفات ، حتى أصبح الصندوق القومي الفلسطيني متخماً بالمليارات، ومؤسسة صامد من أغنى المؤسسات الاستثمارية العالمية ، فأيــــــن ذهبت ؟؟
انظر إلى جيوب اللصوص و المترفين و السكارى و الشاذين ستجدها هناك، وإن أردت أن أذكر أسماء فأحيلك إلى ملفات الأجهزة الأمنية التي كانت تتلصص على بعضها، كما و أحيلك إلى أرشيف هيئة الرقابة ، فإنك ستجد ما يزكم أنفك، وعندما أفلست م. ت.ف و صندوقها القومي، وانكشفت سوءة اللصوص، وأحجمت الشعوب عن العطاء للأربعين حرامياً ( بدون علي بابا ) توجهوا إلى أنابوليس و خزنة كونداليزا رايس والصغير بوش ومن بعده أوباما ، فضلاً عن أموال الإيباك و المستثمرين اليهود مقابل أرضنا و كرامتنا يا موفق ، هذا في الوقت الذي يصر عوفاديا و تلميذه نتنياهو على أن ينعتونا بالصراصير و السحالي ، فيما اعتبرته إهانة أو جهلاً مني ...سامحك الله
سيد موفق ..أرجو أن يكون لك من اسمك نصيب، وفي الحقيقة ساءني هذا الفهم الذي لا ينبغي أن يحمله فلسطيني إلا أن يكون من شلة رفيق الحسيني الذين هتك سترهم فهمي شبانة التميمي، متمنياً ألا تكون منهم ، فهؤلاء - يا سيد موفق – هم من يستحقون أن يتوجه إليهم قلمك، هذا إن لم تكن منهم، وهذا ما لا أتمناه لك.
