لست وحدي الذي ينتظر خطاب نصر الله ، وفي تقديري هناك الملايين غيري ، ولكن هناك من الإسرائيليين من ينتظره باهتمام أشد ، وخاصة ممن هم في دوائر صناعة القرار ، بدءاً برئيس الحكومة، ومروراً برؤساء أجهزة الأمن والجيش، وانتهاءً بأي جاسوس يعمل لصالح الصهاينة، وعلى ذات المستوى في أمريكا ، ومن يحوم في فلكها ، ولا يكاد أولئك أن يتركوا شاردة ( وقليلة هي شوارده ) ولا واردة، إلا ويقفون عندها؛ تحليلاً وفهماً وتدقيقاً ، ليبنوا عليها قرارات واستراتيجيات..
هذا عدا المهتمين من الشعوب العربية وخاصة الفلسطيني ، وهذه – في الغالب – ليست في صالح الحكام ، إذ لا تخطئ عين في تمييز الفرق بينه وبين زعماء الأعراب ، ويكاد يكون - هناك - إجماع على صدق الرجل وبساطته . ولقد أثبتت الوقائع ذلك وأكدته ، ولا يغيب عن النظر إشارته بيده إلى البارجة الحربية ( سعير ) قبل أن يشطرها صاروخ قائلاً : انظروا إلى عرض البحر .
ها هي تشتعل في اللحظة التي اشتعلت – فعلاً –فيها ، كما لا يغيب عن السمع ؛ إذا قصفوا بيروت سنقصف حيفا وما بعد حيفا ، والمطار بالمطار ، والمصفاة بالمصفاة ، والضاحية بتل أبيب ... مما جعل الصهاينة يفكرون مليون مرة قبل أن يقدموا على أي فعل ، وفي الليلة الفائتة ، يضع الرجل حداً لما كانت تمارسه (إسرائيل) من حصار بحري على شواطئ لبنان الإقليمية ، وما يؤدي إليها من دولية ، ولم ينس دعابته السياسية التي لها مدلول كبير ( إذا خرجت السفن محملة بالمغادرين من (إسرائيل) فلن نتعرض لها ) ، ولا أراه إلا صادقاً في تحليله ووعيده وتحديه ؛ مما أوقع – بلا شك – الرعب في قلب تل أبيب ، التي اعتادت أن تشن حروباً خارج الأرض التي احتلتها سنة 1948، وما يترتب على ذلك من تدمير المدن العربية ، وما يصحبه من تقتيل وتهجير وترويع.
بينما المجتمع الإسرائيلي ينعم بالأمن والحرية والاستقرار ( والسلام النفسي )، واليوم فإن الصورة قد تكافأت في المظهر، مع اختلاف في الجوهر الذي يكشف عنه نصر الله ، بتحديه أن يعرض الصهاينة صورةً لمقاوم يبكي أو يولول أو يرتعد أمام القتل أو الأسر ، وأما اليهودي فلدى نصر الله أفلام تظهر رعبه وجبنه ونذالته وعويله وانهياره وهزيمته ، مؤكداً أن المجتمع الإسرائيلي لن ينعم بالأمن ولا الحرية ولا الاستقرار ولا السلام النفسي ..
بل سيفر ويهاجر ويخاف ويرتعب ، بعد أن تتدمر -على رأسه - مدنه بصواريخ المقاومة ، التي لم تعد مكلفة ولا معقدة, ولا يعز الحصول عليها ، بعد أن أتقن المقاومون صناعتها - محلياً - على أرقى المعايير التكنولوجية ، وأدقها ، وهنا لا ينسى نصر الله دعابته ذات المدلول ؛ بأن الباتريوت والخيمة الفولاذية ومضادات الصواريخ ، هي أكاذيب ومساخر لن تخيف المقاوم بعد أن نزع الخوف من قلبه، كما لا ينسى أن يلعب بأعصابهم.
فلا ينفي حصوله على ( سكاد) ولا يثبته ، ثم كان ( قائداً ) فذاً بإدراكه عناصر قوته وجبهته الداخلية ( الجيش –الشعب – المقاومة ), وكان عبقرياً في حرصه على التلاحم بين عناصر المعادلة ، ثم كان ذكياً شجاعاً حصيفاً في تعريته لأولئك الذين يتوسلون إلى الإسرائيليين ، ألا يخرجوا من لبنان حتى لا يعرقلوا المفاوضات التي يجرونها مع الصهاينة ، ثم يتوسلون - أخرى - بألا يوقفوا الحرب على حزب الله وسوريا ، ليخرجا من معادلة الصراع مع العدو ، نعم لقد ألمح إليهم ، ولكنه تلميح في وضح النهار ، يدركه ( الأعشى ) فيظهرهم أقزاماً في عيون الشرفاء ، ومنهزمين في مراياهم !!
لقد حرك نصر الله بخطابه أحاسيس تبلدت واستكانت ، فما بالك ( بالمقاوم ) المتيقظة أحاسيسه دوماً ، ولكن زادها ثقة وعزيمة ورهافة .. هذا النهج الصادق المنتمي المتبصر؛ يضع الجميع أمام مسئولياته التاريخية ( إيجاباً أو سلباً ) ويعيد إلى الذاكرة تلك الأيام التي كنا فيها خير أمة ، وأما (إسرائيل) – فلا شك – فإن الهزيمة النفسية التي تعانيها حقيقية ، فهي تصدق حسن نصر الله من غير أن يقسم ، فإذا أقسم على أنها أوهن من بيت العنكبوت صار لديها اليقين أنها كذلك !!!


