منذ أن أعلن بلفور ( اللعين ) وعده لليهود بموافقة سيدة الاستعمار (القديم ) على إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، و الشرق الأوسط على فوهة بركان متقطع الانفجار ، حروب تلو حروب ، و لم يقف الشعب الفلسطيني مكتوف الأيادي ، بل جابه و قاوم و رفض ، حتى كانت النكبة سنة 48 ، و لقد كان للوهن العربي دور بالغ في وقوعها ، وهن في كل جانب ، وهن في القيادة و التي تركزت في يدي ملكين من ملوك العرب ، قد أسلما بالكلية مقاليد أمورهما إلى الإنجليز الذين أعطوا لليهود فلسطين ، و بذا صار الانجليز قادة الجيوش ضد يهود حتى لا يغتصبوا فلسطين و هم الذين اغتصبوها لهم و هذا يتنافى مع أبسط بديهيات العقل و المنطق.
ووهن في الجيوش فقد كانت غير مدربة و لا مؤهلة ، ولا مسلحة ، فما أن وقع الصدام حتى انهزمت لا تلوي على شيء ... تأكلها نيران ( العصابات ) الصهيونية و لا يردون الموت عن أنفسهم ، و للمهزلة كان يقول قائلهم ( ماكو أوامر ) أو ( مفيش أوامر ) أو ( ما أمرنا سيدنا ) و المعنى واحد .
ووهن في الانتماء ، فقد دخلت الجيوش بلا إرادة أو عقيدة قتالية ؛ إذ كانوا في معظمهم إلى الأمية أقرب ، زجوا بأنفسهم – عنوة – في زي العسكر ، و لا يعرفون من يقاتلونهم ، أو يقاتلون من أجله ، فلا يعرفون أرضاً ولا مقدسات و لا وطناً ، و قد قطع الجوع أمعاءهم ، و تجاذبتهم الظنون و الهوس الأمني الذي رأوا من خلاله الفلسطيني جاسوساً ، أو بائعاً لأرضه ، فلاقى منهم من العنت ما لم يكن في حسبانه و هم إخوة الدم و العقيدة و المصير و اللسان .
ووهن في طرق الإمداد و التواصل و الاتصال ، يحاصر الجيش و تنقطع به السبل ، فيصبح كجماعة قد تحطمت سفينتهم في عرض البحر ، و أحاطت بهم الأمواج من كل جانب و لا سبيل إلى النجاة ، إلا من قذف به الموج إلى الساحل بالمقادير ، و أما الباقون فغرقوا في تخبطهم و عزلتهم و يأسهم و جهلهم ، و قد امتلأت قلوبهم بالرعب حتى طفحت به .
ووهن في العمق الاستراتيجي ، فلا أحلاف أقوياء و لا احتياط يحل محل القتلى و الأسرى و الجرحى ، ولا مصانع و لا ضمان لآل مقاتل أو لبنيه و زوجته .
ووهن في التربية ، فلا أخلاق إلا ما كان منها مرده إلى البساطة و التلقائية و العفوية ، و لا عقيدة تثبت القلب و القدم ، و لا ثقة تصون العلاقة بين الجند على مختلف مراتبهم ......
لكل ذلك كانت النكبة ، و كانت 56 و 67 ؛ أذل اليهود الأمة العربية من محيطها إلى خليجها و اغتصبوا المزيد ، ووقعت واسطة العقد ( القدس ) في أيدي المرابين و اللصوص من الصهاينة ، و سقط عشرات الألوف ضحايا ، و الوهن العربي هو هو لم يتغير ، حتى كانت سنة 2000 و كان على رأس يهود (باراك) ذلك الجنرال الذي خطف بريق نياشينه و كفاءاته العسكرية و اغتيالاته و سطوته و جرأته أبصار قادة الأعراب .
و ارتعدت له فرائص المشير و الفريق و اللواء و العميد و العقيد ، فضلاً عن صف الضباط و جنوده ، و لكن – و لسوء حظه – كانت هناك مقاومة ، ولدت من رحم الوهن ، متمردة عليه ، فجاءت بقيادة حازمة ، و جيش مدرب ، و مجهز حتى و إن كان جيش عسرة ، جاءت بوعي و انتماء حقيقيين ، و جاءت بالإمداد و الاتصال و التواصل ، و بالحزم و بالأمر ، و التخطيط و التدقيق و الدقة ، و رأت يهودياً جاثماً على صدر الكرامة العربية ، و رأت لسانه يلغ في تاريخها و ثقافتها وحضارتها و منابع عزها و فخرها ، ورأت العملاء كالحشرات ينقلون الموت إلى جسد الأمة ؛ سعد حداد ، أنطوان لحد ، عقل هاشم .
و رأت الفساد و الشذوذ يفتكان بالجيل تلو الجيل ، فانطلقت لتدفع العار و التبعية و الوهن ، لتدوس رؤوس المحتلين ، و تحز رقاب الجواسيس و العملاء ، و لتقول لباراك : أخرج ، و لم تمهله ليفكر ، كان وقع الضربات على رأسه متلاحقا ، فلم يكن أمامه إلا أن يطلق ساقيه للريح ، لتنتصر المقاومة ، و ليهزم باراك ، و تقهر المقاومة الجيش الذي كان يقال عنه : إنه لا يقهر !! قبل عشر سنوات بالتمام و الكمال و في مثل هذه الأيام انتصر الجنوب اللبناني ، بلا جامعة عربية ولا نظام عربي و لا مؤتمرات قمة ، انتصرت الإرادة القتالية و الانتماء على (إسرائيل) التي طالما هزمت الأنظمة و أذلتهم ، و عربدت و اغتصبت ...
انهزمت (إسرائيل) و دالت دولة الجواسيس إيذاناً بمزيد من الهزائم ، فانهزمت (إسرائيل) بعدها بست سنوات و في الجنوب أيضاً ، كما انهزمت أمام صمود غزة الأسطوري قبل سنة و نصف السنة ، و ستنهزم (إسرائيل) ... هي حتمية تاريخية بدأت المقاومة فصولها ، و هي التي ستنهيها أيضا ، حتى وإن ظن يهود أنهم يملكون كل الرؤوس النووية التي تحدثنا عنها الجارديان حديثاً غير بريء.


