الخميس 01 يناير 2026 الساعة 11:54 م

مقالات وآراء

رفقاً بمراكز حقوق الإنسان (الفلسطينية)

حجم الخط

عادة ما تقوم مراكز حقوق الإنسان في أي بلد من بلدان العالم بالدفاع عن حقوق المواطنين في البلد الذي تعمل به، رغم أن هذه المراكز ذات برامج ممولة وفق سياسة الممول، وأهداف التمويل، وهي غالباً إما سياسية أو فكرية أو اجتماعية وفقاً لكل جهة داعمة.

 

مراكز حقوق الإنسان الفلسطينية في حقيقة الأمر تقع بين نيران عدة، كل منها أشد من الأخرى، ولعل أول هذه النيران هي نيران الجهات الممولة لهذه المراكز، والتي لو خالفت هذه الجهات شروط التمويل يعني ذلك أنها لن تتلقى الدعم المالي الذي يشكل لها شريان الحياة، وليس الحياة فقط، بل الرفاهية العالية رغم شعارات العدالة الاجتماعية والمساواة ومحاربة الفساد، الأمر الذي يجعل هذه المراكز لا تخالف المرسوم لها، ولا تتعداه، فمثلاً أحد المراكز العاملة في فلسطين بل الرائدة في هذا المجال، لوحظ عليها في الفترة الأخيرة تغير واضح في نهجها عبر البيانات التي كانت تصدر من قِبلها من قبل، هذه السياسة المعتدلة تغيرت في الفترة الأخيرة، وعندما تحرينا الأمر وجدنا أن هذا المركز بدأ يتلقى تمويلاً من الاتحاد الأوروبي الذي يشترط شروطاً معقدة لمنح أي مؤسسة التمويل ، وهذا التحول في التمويل هو السبب الذي أدى إلى التحول في السياسات المتبعة، لأن جهة الدعم الأولى تختلف إلى حد ما عن الجهة الجديدة فكان لا بد من التغيير.

 

المعلوم أن المواطن الفلسطيني يجب أن يكون هو الهم الأول لهذه المنظمات، والمواطن الفلسطيني في أي مكان يجب أن يكون موضع اهتمام من قبلها، وقد يحتج هؤلاء بأن مجال الاختصاص هو قطاع غزة، أي المواطن في قطاع غزة، سنسلم لهم بذلك، ونقول هل المواطن الفلسطيني الغزي عندما يعتقل أو يقتل عند أجهزة الأمن المصرية مثلاً أليس الدفاع عنه وعن حقوقه من واجبات هذه المراكز، هذه المراكز لم تحرك ساكناً _حسب علمنا _ ولم تتطرق لهذا الموضوع من قريب أو من بعيد، للدفاع عن هؤلاء المعتقلين، لسببين واضحين وهما : أن القائمون عليها لا يريدون أن يتطرقوا للحديث عن هذا التعدي على حريات الفلسطيني الغزي، وتعرضه للأذى سواء الاعتقال، أو التعذيب، أو القتل، لأنهم لا يريدون إفساد العلاقة مع أجهزة الأمن في مصر حتى يتمكنوا من السفر، والتنقل عبر معبر رفح وحتى يؤمنوا لأولاد البعض منهم العيش في مصر، والبقاء فيها بعد أن تركوا قطاع غزة حيث لا رفاهية تتناسب مع أولاد الذوات في القطاع ، فكان العيش إما في مصر، أو إحدى الدول الأوروبية.

 

والنقطة الثانية التي تحول بين هذه المراكز والدفاع عن الفلسطينيين في سجون الأجهزة الأمنية المصرية هي برامج التمويل، حيث إن هؤلاء المعتقلين في سجون الأمن المصري، إلى جانب أنهم غزيون إلا أنهم معتقلون لأنهم ينتمون إلى المقاومة الفلسطينية، والمقاومة الفلسطينية خط أحمر ليس للقائمين على هذه المراكز والذين لا نشك في وطنيتهم وثوريتهم، ولكنها خط أحمر للجهات الممولة لهذه المراكز لا يمكن تخطيه أو الحديث فيه.

 

ما دفعني إلى الحديث عن هذه المراكز هو محاولة تبرير مواقفها حتى لا يستمر النقد لها، لأنه لابد أن نفهم طبيعة ووظيفة هذه المراكز، ومصادر التمويل حتى نحدد مجال عملها وإمكانياتها، فلا نطالبها بغير ذلك، والذي أثار الاهتمام أكثر هو تقرير ( الاوتشا ) منسق الأمم المتحدة للشئون الإنسانية، والتي اعتمد على تقارير له على مراكز حقوق الإنسان الفلسطينية في موضوع إعدام العملاء والقتلة، أو قضية تنفيذ القانون، وإزالة التعديات على أراضي الحكومة، والتي عَدّها مساوية للإرهاب الذي تمارسه قوات الاحتلال في القدس وهدم المنازل فيها.

 

ما يستغرب منه أن هذه المراكز عادة ما تطالب الحكومة في غزة بضرورة ملاحقة المجرمين عند ارتكاب أي جريمة قتل بحق أي مواطن في غزة، ودعوتها إلى تطبيق القانون بحق الجناة وملاحقتهم، وإلقاء القبض عليهم طلب مشروع، وتقوم الحكومة بذلك وتطبق القانون على القتلة، والقانون عندنا هو الإعدام لمن تثبت بحقه جريمة القتل والتي تهدف إلى الحفاظ على حق الإنسان في الحياة، وتحقيق الأمن والأمان للمجتمع ككل، ورغم مطلب مراكز حقوق الإنسان بذلك، إلا أنها تثور ثائرتها عندما يتم تنفيذ القانون ما يجعلنا في حيرة، هل تريدون تطبيق القانون كما تزعمون؟ أم لا تريدون؟ ولو سألتهم سيقولون لك : ( لقمة العيش مرة ).

إلى هنا، لأنه لو استطردنا في الحديث فسيطول، وهذه نماذج فقط للتناقض الذي تعيش فيه هذه المراكز مع وجود دور إيجابي لها فيما يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي في بعض القضايا التي تتفق وسياسة الجهات الممولة، ودونها الصمت.