عجيب مدهش أمر هذا الكتاب الحبيب العزيز. ومن إدهاشه أنك تكتشف كل يوم جديداً من أوجه إعجازه التي لا تتناهى. فمن كان يظن أن يحدثك هذا الكتاب عن وقائع ستقع بعد أكثر من ألف وأربعمئة سنة، ثم تأتي كفلق الصبح، لا ينخرم منها شيء، ولا يتخلف منها كلمة، ومعاذ الله بالطبع أن يقع خُلْفٌ أو اختلافٌ أو تَخَلُّفٌ.
وإنما حديثنا حتى لا نقع في التعميم، عن هذا الشعب اللئيم، الذي اكتوينا بناره قرابة المئة من السنين.. وما نزال نكتوي، وهو يذيقنا كل يوم من حقده أكؤساً مرة، وهو من دمنا لا يرتوي.. وعن غيه لا يرعوي..
أقول، حديثنا عن هذا الشعب وصراعنا معه. والحمد لله أن مولانا لم يتركنا في هذا الصراع بلا مرشد ولا دليل. لا بل أنزل في ذلك الكثير من آيات التنزيل، وسورة بالتفصيل في هذا الكتاب الجليل، هي سورة الإسراء أو سورة بني إسرائيل.
ومن عجيب الموافقات أن سورة الإسراء تقع في قلب المصحف، وحادث الإسراء يقع في قلب مدة البعثة النبوية في منتصفها بالضبط. وطرفا رحلة الإسراء: المسجد الحرام والمسجد الأقصى هما سرة الأرض وقلبها، وهما في قلب كل مسلم كذلك..
ومن العجيب كذلك أن سورة الإسراء تقع في 111 آية، ولا يناظرها في هذا إلا سورة يوسف. فكأن الإشارة في هذا والمعنى الرمزي القريب أن بداية بني إسرائيل (سورة يوسف) 111 آية، ونهاية بني إسرائيل كذلك 111 (أعني سورة الإسراء). ومجموع الأرقام 222 وما أقربه من الأجل الذي ضربه كثير من الكتاب المسلمين وفي مقدمتهم الأستاذ بسام جرار لزوال "إسرائيل" في ضوء آيات سورة الإسراء، وهو (2022)!
وعجيب أيضاً أن تتحدث سورة الإسراء عن حادث الإسراء في آية واحدة، ثم تنتقل إلى الحديث عن بني إسرائيل، فما هي المنهجية في هذا، وما وجه الربط؟
أقول والله المستعان، المنهجية في هذا الانتقال أن بني إسرائيل هم الخطر على أمة الإسراء، وأرض الإسراء.. ولذلك حملت السورة الاسمين معاً.
ومن الملاحظات اللافتة أن الآية الأولى بعد آية الافتتاح المتحدثة عن الإسراء، تضمنت عناصر تكوين الأمة ونشأتها أو نشوئها، وهي: قيادة، ومنهاج، وشعب.
ومن هنا قالت الآية: "وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ.." ثم طلبت منهم الآية مقابل المنن مطلباً واحداً فقط: "أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً" فكان أن توكَّلوا على كل شيء إلا على الذي طلب منهم أن يتركوا كل شيء ويتوكَّلوا عليه.
ثم دخل السياق في صميم الحديث عن إفساد بني إسرائيل، وهو فيما أعتقد الموضوع المحوري في السورة. وموضوع السورة فيما أرى هو: الدستور الذي به تتفوق أمة الإسراء على أمة إسرائيل في الصراع المصيري الذي ستكون لأمة الإسراء فيه الغلبة على بني إسرائيل.
وفي السورة منهج في العقيدة والعبادة والأخلاق والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وهي أكثر سورة في القرآن حدثتنا عن القرآن.. ذلك أن القرآن هو الذي كشف الأعداء، وهو الذي رسم طريق النصر عليهم.
تقول الآيات المتحدثة عن إفساد بني إسرائيل: "وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً"
والملاحظة الأولى هي في التعبير بقَضَيْنَا إِلَى، فهذا إعلام واصل إلى بني إسرائيل وليس قضاء قدرياً ملزماً لبني إسرائيل، بحيث لا فكاك لهم منه.. وإلا لكان قال: "قَضَيْنَا عَلَى.."!
وأما المقصود من الكتاب فهو مفهوم ثلاثي الأبعاد: اللوح المحفوظ، ثم كتابهم، ثم هذا الكتاب الذي نقرأ فيه الآيات التي سجلنا بعضها..
ثم يقسم مولانا الجليل بأنه سيقع من بني إسرائيل إفسادان في الأرض، وعلو كبير. فما المقصود من "الأرض"؟ أعني أهي الأرض مطلقة؟ أم هي أرض مقيدة؟ وإذا كانت مقيدة فبم؟ أعتقد أن الأرض المطلقة لا يُحد الفساد الإسرائيلي فيه بمرتين ولا يعد! وإنما هي الأرض المخصوصة، وتحديداً -فيما أرى- الأرض من حول المسجدين: المسجد الحرام والمسجد الأقصى.. فالإفساد الأول هو من حول المسجد الأول، والإفساد الثاني من حول المسجد الثاني. والإفساد الأول أنهاه أول المسلمين في هذه الأمة، فقد كان هؤلاء هم المحرضين للعرب على حرب النبي والكفر به، فأنهى وجودهم في أغلب أماكن وجودهم في جزيرة العرب.
وأما الإفساد الثاني فهو الذي تعيشه الدنيا هذه الأيام، وتحديداً ما يفعله المجرمون في فلسطين، وبالذات من حول المسجد الأقصى. وأما الإفساد فلا يحتاج إلى تفسير أو تفصيل فهو مطلق الإفساد على كل صعيد: الإفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي و.. وأما العلو الكبير فجلاؤه هذه الهيمنة على العالم: سياسته واقتصاده وإعلامه ومؤسساته، بحيث إن رئيس أكبر دولة ليس أكثر من منفذ لإراداتهم، مقيد بمشيئتهم، مقزم في قراره، لا يخرج عن طوعهم!
فالعلو الكبير لا تشرحه اللغة، وإنما يجليه الواقع والوقائع!
ويواصل السياق الحديث فيعبر بالماضي عن الوعد الأول وإنهائه: "فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً".
ولست بحاجة لأن أبين أن كل كلمة فيها معجزة. ولكني أمر مر السحاب بالآيات فهي تتحدث عن وعد الإفسادة الأولى الذي يعقبه بعث الله تعالى لعباد مكرمين على هؤلاء المجرمين، فقهروهم وحرروا البلاد والعباد من شرورهم. ومخطئ من فسر العباد بنبوخذ نصّر أو بختنصر فهؤلاء مشركون مخربون.
ثم تكلم السياق عن رد الكرة لبني إسرائيل على أولئك العباد أو على أمتهم (أمة المسلمين؛ لأنه لم ترد الكرة لليهود على أحد إلا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم لحكمة..!) وتكلم السياق عن مد اليهود أو إمدادهم بالمال والبنين، وجعلهم أكثر نفيراً، وكثرة النفير بمعنى التفوق في كل شيء، في العسكرية والسياسة والاقتصاد والإعلام، والواقع يشهد بذلك. ومن هنا فإن كل كل كلمة معجزة.
ثم يقول النص الكريم: "إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ" والله يعلم أنهم لم ولن يحسنوا (كشعب)، وإنما هو عدالة القانون الإلهي. "وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا " أما إساءتكم فهي لأنفسكم وعليها. حتى إذا جاء وعد مرة الإفساد الثانية سلط عليكم العباد أنفسهم "لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ" بمعنى يكشفوا حقيقتكم، ويعروا زيفكم، ويفضحوا بيعتكم الملتوية.. إن كشف حقيقة المجرمين هي الخطوة الأولى في معركتنا مع المجرمين.
ومن هنا فإن السلام لصالحهم؛ لأنه يجمل صورتهم، والأصل أن نفضحها ونقبحها، لا أن نحسّنها ونزينها.
وأما الخطوة التالية لإساءة الوجه فهي "وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ" أي الأقصى، طهره الله ونصره، مثل الدخول الأول الذي كان لهذه الأمة، وذلك زمن الفاروق، وإنما كان هذا الدخول بالقوة لا بشيء آخر.. والخطوة الأخيرة في هذا الوعد والمرتبطة بدخول المسجد، وهي "وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً" وأول ما يلفت الأنظار في هذه الكلمات هو تحول ضمير المخاطب في كل الآيات إلى ضمير الغائب "علَوْا.." دلالة على أنهم سيصبحون أثراً حتى ليعبر عنهم بهذا الضمير. إننا سنحولهم من حكم العالم وسيادته إلى ضمير الغائب بإذن الله.
والمعركة القادمة قاصمة، لهم حاسمة، ولن تقوم لهم بعدها قائمة.
